الإنابة
مرتبة من مراتب التوحيد ، أن تنيب إلى الله ، إما بالاستغفار ، وإما بمجاهدة النفس والهوى ، وإما بإنفاق المال ، وإما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإما بالاستعداد للموت ، هذه أنواع الإنابة إلى الله عز وجل

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام : مع الدرس السادس والعشرين من دروس العقيدة الإسلامية ، ومع موضوع الإنابة على أنها من لوازم التوحيد .
الشيء الذي أتمنى أن يكون واضحاً لديكم تماماً أن في كتب تقليدية العقيدة أن تؤمن بكذا ، وكذا ، وكذا لكن يضاف الآن أن العقيدة أن تؤمن بكذا ، وكذا ، وأن يكون لك هذه الأحوال ، أن تكون متوكلاً ، أن تكون منيباً ، أن تكون تائباً ، أن تكون مخلصاً ، فمن لوازم التوحيد أن تكون منيباً إلى الله ، والدليل أن الله عز وجل يقول :

[سورة هود : 75]
[سورة ق : 6-8]
[سورة غافر : 13]

[سورة الزمر : 54]
يصف جل ثناؤه المؤمنين بأنهم منيبين إليه ، قال تعالى :
[سورة الروم : 31]
فالإنابة إلى الله من لوازم التوحيد ، الشيء الذي أتمنى أن يكون واضحاً لديكم : شطر العقيدة ما ينبغي أن تعتقد ، وشطرها الثاني ما ينبغي أن تكون عليه ، فإن كنت تعتقد الصواب ، ولم تكن كما ينبغي فهناك خلل في عقيدتك ، لأنك لم تنتفع بهذا التي اعتقدت به .
أيها الإخوة الكرام : الإنابة إنابتان ، هؤلاء أهل الأرض ستة آلاف مليون إنسان كلهم ينيبون إلى الله عند الشدة ، فسّاقهم ، وكفّارهم ، ملحدوهم ومؤمنوهم ، أيّ إنسان إذا ركب في البحر ، وكاد يغرق يلتجئ إلى الله عز وجل .
حدثني أخ كان في طائرة تقلُّه من بلد مسلم إلى بلد كان سابقاً يؤمن بأنه لا إله ، وعلى متن هذه الطائرة خبراء ملحدون جميعاً ، ودخلت الطائرة في سحابة مكهربة ، وأوشكت على السقوط ، فإذا بكل هؤلاء الملحدين يرفعون أكفهم إلى الله يستغيثون به ، قال تعالى :

[سورة الأنعام : 23-24]
هذه الإنابة الأولى ، أيّ إنسان مؤمن أو كافر ، ملحد أو مستقيم ، عاص وفاسق وفاجر إذا جاءته الشدة ، كأنْ أجرى فحصًا لورم خبيث يقول : يا رب لا إله ولا شافي غيرك ، هذا الضعيف لا يتذكر ربه إلا عند الشدة ، هذه إنابة عامة ، هذا شيء يذكرنا بقوله تعالى :
[ سورة الحديد : 4]
مع كل عباده ، مع مؤمنهم ، مع كافرهم ، فاسقهم ، وعاصيهم ، وفاجرهم وملحدهم ، معهم بعلمه ، لكن الله إذا قال : إن الله مع المؤمنين ، مع المتقين ، مع الصادقين ، مع التائبين ، معهم بالحفظ ، والتأييد ، والنصر ، والتوفيق ، فالإنابة صفة مشتركة بين كل الخلق عند الشدة ، لكن المؤمن ينيب إلى الله في الرخاء ، يعود إليه مختاراً ، يعود إليه وهو قوي ، يعود إليه وهو صحيح ، وهو في مقتبل الحياة ، وهو في أوجه ، يعود إليه محبةً ، يعود إليه شوقاً ، فلذلك ينبغي أن نفرق بين إنابة عامة ، وإنابة خاصة ، كما نفرق بين معية عامة ، ومعية خاصة ، الدليل على الإنابة العامة قوله تعالى :
[الزمر : 8]
حدثني أخ في بلد إسلامي في شمالنا أصابه زلزال مخيف ، أقسم لي أن المساجد في الصلوات الخمس لا تتسع للمصلين ، كانوا يصلون في صحن المسجد ، بينما في الرخاء لا تجد صفَّين ، أما عقب الزلزال جاءت الإنابة إلى الله عز وجل ، أنا أقول لكم : أنت حينما تعود إلى الله وأنت صحيح من دون مصيبة فهذا شوق ، وهذا حب ، وهذا اختيار ، وهذه بطولة ، أما عند الشدة فأيّ إنسان يعود إلى الله ، قال تعالى :
[ سورة الروم : 33]
ثم يقول الله عز وجل :
[سورة النحل : 55]
أيها الإخوة : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ، وَيُمْسِي كَافِرًا ، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا ، وَيُصْبِحُ كَافِرًا ، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا)) .
[ مسلم ، أحمد ، الترمذي ]
حينما تؤثر الدنيا على حساب دينك ، أحياناً الإنسان يبيع دينه بفتوى ، يفتي بخلاف ما يعلم ، يقول مثلاً : على المسلمات في البلد الفلاني أن يخلعن الحجاب ، يفتي بخلاف ما يعلم ، ويقول : الذين منعوا الحجاب معهم الحق ، باع دينه ، باع كل آخرته بفتوى ، أنت حينما تؤثر الدنيا على دينك فقد بعت دينك بعرض من الدنيا قليل ، إذاً نحن في زمن الفتن ، فتن كقطع الليل المظلم ، ظلمات وراء ظلمات ، ظلمات الضلالات ، ظلمات الشبهات ، ظلمات المعاصي ، ظلمات الانحرافات ، يوجد انقباض ، وتطرح فكرة تتناقض مع الدين ، يروج لها أعداء الدين ، كل يوم ينتقص من الدين .
صدر كتاب في بلد عربي ، هذا الكتاب محوره وعنوانه : مراثي اللات و العزى ، الأصنام قبل الإسلام عاشت حياة ديمقراطية ، فكل صنم يؤمن بالصنم الآخر ، أي سمح الصنم اللات للعزى أن تكون موجودة ـ أما صنم محمد فقد ألغى كل الآلهة ، قمعي ، كتاب لا يصدق ، أي إنّ الإله الذي دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام إله قمعي ، لم يسمح بإله معه أبداً ، أما الآلهة التي كانت قبل البعثة فعاشت حياة ديمقراطية ، وكل صنم اعترف بالصنم الآخر ، وتعايشوا ، ظلمات بعضها فوق بعض ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ، وَيُمْسِي كَافِرًا ، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا ، وَيُصْبِحُ كَافِرًا ، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا)) .
[ مسلم ، أحمد ، الترمذي ]
و اللهِ أعرف شخصاً له ابن توفاه الله في العاشرة من عمره ، فترك الأبُ الصلاة كلياً ، واللهِ أعرف أناساً الآن عقب محن المسلمين ، ولاسيما سقوط بغداد تركوا الصلاة ، ((يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا)) .
كطُرفة لعلي ذكرتها كثيراً ، رجل بدوي له أرض شمالي جدة ، فلما توسعت جدة اقتربت من أرض المدينة الواسعة ، وارتفعت أسعارها ، فأراد أن يبيعها ، اشتراها مكتب خبيث جداً بربع ثمنها ، وأنشؤوا بها بناء عاليا يزيد على عشرة طوابق ، لكن هم شركاء ثلاثة ، أول شريك وقع من سطح البناء فنزل ميتاً ، و ثاني شريك دهسته سيارة ، فانتبه الثالث ، فبحث عن صاحب الأرض ستة أشهر حتى عثر عليه ، ونقده ثلاثة أضعاف حصته ليسامحه ، فقال له هذا البدوي : أنت لحقت حالك : ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ، وَيُمْسِي كَافِرًا ، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا ، وَيُصْبِحُ كَافِرًا ، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا)) .
أنا ذكرت قصة الإمام الذي ركب مركبة في بريطانيا ، ودفع للسائق قطعة ورق نقدية كبيرة ، ردّ له السائق الباقي ، وهذا السائق جلس الإمام في مقعده ، عدّ المبلغ الذي رده له فوجده يزيد على ما يستحق عشرين سنتاً ، فلما حدث نفسه أنه أنا مسلم ينبغي أن أردّ الزيادة إلى السائق جاءه خاطر شيطاني أنه مبلغ زهيد جداً ، والشركة عملاقة ، ودخلها فلكي ، ولا تتأثر بهذا المبلغ ، لعله هبة من الله خصني به ، النتيجة أن كلامه الثاني خطأ ، هذا كلام شيطاني ، فلما جاء وقت نزوله من المركبة وقف أمام السائق دون أن يشعر ، وأعطاه العشرين سنتاً ، قال له : هذه زيادة ، فتبسم السائق ، وقال له : ألست إمام هذا المسجد ؟ قال : بلى ، قال له : والله حدثت نفسي أن أزورك في مسجدك لأتعبد الله عندك ، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن أزورك ، فصعق ، ووقع على الأرض ، فلما استعاد وعيه قال : يا رب كدت أبيع الإسلام بعشرين سنتاً .
واللهِ كل يوم ملايين المسلمين يبيعون دينهم بالسنتات ، أو بالدولارات ، أو بالليرة السورية، أو بحصة من محل ، أو باغتصاب لإرث ، أو باغتصاب لشركة ، أو باغتصاب لبيت ، هذا الذي يقيم شعائر الله ، ويأخذ حقوق الناس ، هذا يعمل عملاً معاكساً للدعاة ، هذا منفّر ، هذا الذي يسبب أن يكفر الناس بالدين ، هذا الذي يسبب أن يقول الرجل : أتعامل مع الشيطان ، ولا أتعامل مع إنسان متدَيِّن ، هذه المشكلة الكبرى الآن ، ويوجد حديث آخر عن موضوع بادروا : ((بادروا بالأعمال الصالحة ، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا )) .
المستقبل ماذا يخفي للإنسان ؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا ، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوْ الدَّجَّالَ ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ؟ أَوْ السَّاعَةَ ، فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ...)) .
[ الترمذي ، أحمد ]
هل ينتظر الإنسان من المستقبل في الدنيا إلى أن يخسر بعض تجارته ؟ هذا شي واقع دائماً، أو أن يأتيه المال فيكون طاغياً به ، أو يأتيه مرض يفسد عليه حياته ، أو خرف وتقدُّم في السن ، يصبح مخرّفاً ، أو يأتيه الموت مجهزاً ، أو الدجال كما تسمعون ، يقتلون ، ويقصفون، ويبيدون ، و ينهبون الثروات ، وجئنا من أجل حريتكم ، وجئنا من أجل أن تستمتعوا بالديمقراطية التي نستمتع بها ، كلام يخرجك من جلدك ، هذا الدجال : ((وَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوْ السَّاعَةَ ، فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ )) .
أيها الإخوة : أنواع الإنابة ، إنابة بالاستغفار ، المؤمن لا يفتأ يستغفر الله عز و جل ، عن شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، خَلَقْتَنِي ، وَأَنَا عَبْدُكَ ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ، قَالَ : وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ ، وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)) .
[ البخاري ، الترمذي ، النسائي ، أحمد ]
هكذا يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ، سيد الاستغفار أن تقول هذا الدعاء ، وقد وصف الله المؤمنين بأنهم يستغفرون :
[ سورة آل عمران : 135]
مما يؤكد معنى هذه الآية حديثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ : ((ارْحَمُوا تُرْحَمُوا ، وَاغْفِرُوا يَغْفِرْ اللَّهُ لَكُمْ ، وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ الْقَوْلِ ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) .
[ البخاري ، الترمذي ، أبو داود ، أحمد ]
يبدو أن أسوأ المذنبين الذي يرتكب الذنب ، ويصر عليه ، و يفتخر ، الله عز وجل يطمئننا ويبشرنا :
[ سورة النساء : الآية 110]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)) .
[ ابن ماجه ، أحمد ]
و من أذكار النبي عليه الصلاة و السلام ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ : 0كَلِمَاتٌ لَا يَتَكَلَّمُ بِهِنَّ أَحَدٌ فِي مَجْلِسِهِ عِنْدَ قِيَامِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَّا كُفِّرَ بِهِنَّ عَنْهُ ، وَلَا يَقُولُهُنَّ فِي مَجْلِسِ خَيْرٍ ، وَمَجْلِسِ ذِكْرٍ إِلَّا خُتِمَ لَهُ بِهِنَّ عَلَيْهِ ، كَمَا يُخْتَمُ بِالْخَاتَمِ عَلَى الصَّحِيفَةِ ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ)) .
[ أبو داود ، الترمذي ، أحمد ]
أما الحديث الذي قد يدعو إلى الحيرة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ)) .
[ مسلم ، الترمذي ، أحمد ]
المعنى هناك : إن لم تشعروا بذنوبكم فأنتم هالكون ، لو لم تذنبوا بمعنى لو لم تشعروا بذنوبكم ، فالمؤمن ذنبه كالجبل ، بينما المنافق ذنبه كالذباب ، لا يعبأ به ، هذه الإنابة الأولى ، إنابة الاستغفار .
الإنابة الثانية : إنابة في القلب بمعاكسة انشغال الإنسان بأحوال الدنيا ، أقول دائماً : الشيطان يوسوس للإنسان أن يكفر إن رآه على إيمان ، يوسوس له أن يشرك إن رآه على توحيد ، يوسوس له أن يبتدع إن رآه على سنة ، يوسوس له بكبيرة إن رآه على طاعة ، يوسوس له بصغيرة إن رآه على ورع ـ هذه جميعها أوراق الشيطان ـ يوسوس له بالتحريش بين المؤمنين ، عي ، حوار ، مشاكل ، فلان يفهم ، فلان لا يفهم ، فلان ليست هذه نيته ، ليس له همّ إلا أن ينتقد من حوله ، الورقة قبل الأخيرة بيد الشيطان ، أما آخر ورقة فهي المباحات ، يغرق في المباحات إلى أن ينسى الله عز وجل ، هذه أوراق الشيطان .
الآن إنابة القلب بمعاكسة انشغاله بأحوال الدنيا ، ومجاهدة النفس والهوى ، وأنا أرى أن هذه المجاهدة هي الأولى ، لا تستطيع أن تجاهد أيَّ جهاد آخر قبل أن تجاهد نفسك وهواك ، إن لم تنتصر على نفسك فلا تستطيع أن تواجه نملة ، جهاد النفس والهوى ، ثم الجهاد الدعوي ، ثم الجهاد البنائي ، ثم الجهاد القتالي إن أتيح للمسلمين ، قال بعض العلماء : خير القلوب قلب رجاع إلى الله ، لهاج بذكره ، و ذكر نعمائه و فضله ، متقلل من دنياه ، ومن إعمال النظر في زخارف الدنيا ، هذا أفضل قلب عند الله .
الإنابة الثالثة : الإنابة إلى الله بالمال ، تنيب إليه بالاستغفار ، و تنيب إليه بمجاهدة النفس والهوى ، و تنيب إليه بإنفاق المال :
[ سورة البقرة : الآية 195]
المعنى إن لم تنفقوا ، إن لم تنفقوا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، ويوجد معنى آخر :
[ سورة البقرة : الآية 195]
نسيتم أهلكم وأولادكم ، ومن يلوذ بكم ، نسيتم أن هناك حاجات أساسية لأولادك ، أولادك من لهم غيرك ؟ فإنفاق المال كله بشكل عشوائي أيضاً هذا نوع من الهلاك ، لكن المؤمنين ينفقون في السراء و الضراء ، كما قال الله عز وجل .
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عُقْبَةَ قَالَ صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ : ((ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ)) .
[ البخاري ، النسائي ، أحمد ]
وعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا ؟ قَالَ : أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى ، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ : لِفُلَانٍ كَذَا ، وَلِفُلَانٍ كَذَا ، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ)) .
[ البخاري ، مسلم ، النسائي ، أبو داود ، أحمد ]
البطولة أن تنفق المال وأنت في أشد الحاجة إليه ، أن تنفق المال وأنت صحيح ، أن تنفق المال وأنت شحيح .
الإنابة الرابعة : أول إنابة إنابة الاستغفار ، والإنابة الثانية مجاهدة النفس والهوى ، والثالثة إنابة بإنفاق الله .
عندنا إنابة رابعة ، بالصبر على المحن ، نحن في محن الآن ، فالمؤمن متماسك ، المؤمن واثق من حكمة الله ، واثق من رحمته ، مستسلم لقضائه وقدره ، مع أن الأشياء صعبة جداً ، لذلك قال تعالى :
[ سورة الزمر ]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ ، وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ )) .
[ مسلم ، أحمد ، الترمذي ، الدارمي ]
المؤمن يسيء فهمَ المعصية ، المعصية محببة ، المعصية أن تجلس في البيت ، لا أن تأتي إلى مسجد فيه درس علم ، بيتك مريح دافئ ، وفيه كل وسائل الراحة ، أما في الجامع فلعله يكون أقلَّ ، لكنك سلكت طريق العلم عنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ)) .
[الترمذي ، أحمد ، ابن ماجه ]
هناك تكاليف ، والتكاليف تعني أشياء ذات كلفة ، غض البصر فيه جهد ، أداء الصلوات فيه جهد ، ضبط اللسان فيه جهد ، الاستيقاظ إلى الصلاة فيه جهد ، فالتكاليف تعاكس طبيعة الجسد ، وهي ذات كلفة ، لذلك لها أجر كبير ، يجمعها قوله تعالى :
[ سورة النازعات ]
هناك قول لبعض العلماء : لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله ، ثم ترجع إلى نفسك فتكون أشد لها مقتاً .
تجد أناساً يكذبون ويمزحون مزاحاً ساقطاً ، ويختلطون مع نساء لا يحللن لهم ، ويحتالون، ويتلطفون ، يقيمون حفلات جميلة ، فأنت منسجم مع الجماعة ، مرتاح تماماً ، مادام منسجمًا مع هذا المستوى فأنت بعيد عن الإيمان ، أما حينما يغضبك كذبهم ونفاقهم ، حينما تغضبك شهواتهم المحرمة التي يأتونها ، حينما يغضبك احتيالهم ، حينما يغضبك كسب أموالهم بالحرام، حينما تشعر بغربة ، حينما تمقت العصاة في ذات الله فأنت مؤمن ، أما إذا كنت منسجمًا معهم الناس ، كلهم خير وبركة ، الحمد لله كل الناس جيدون ، يرى بعينيه انحرافهم وكذبهم ونفاقهم وشركهم وتملقهم ، فأنت إن لم تمقتهم معنى ذلك أنت منهم ، علامة إيمانك بآخر الزمان إحساسك بالغربة ، لا تركن إلا لمؤمن صادق ، ليس فيه كذب ، مؤمن ورع ، عفيف ، أمين ، ترتاح له ، أما إذا كنت مرتاحاً لكل الناس على فسقهم وفجورهم ونفاقهم وكذبهم فهذه علامة خطيرة ليست في صالحك .
هناك قول لبعض العلماء : لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله ، ثم ترجع إلى نفسك فتكون أشد لها مقتاً .
قال بعض العلماء : الخروج من التبعات والتوجع للعثرات ، واستدراك الفائتات ، والخلاص من لذة الذنب ، وترك الاستهانة بأهل الغفلة تخوفاً عليهم مع الرجاء لنفسك .
النقطة دقيقة جداً أن تخشى على الناس ، ولا تخشى على نفسك ، قال لي واحد : سوف آتي عمرة ، وأهبها للنبي ، قلت له : انفد بريشك أنت ، يريد يزايد على رسول الله ، هو مغفور له كل ذنبه ، مبشر بالجنة ، فسوف يقدم للنبي هدية عمرة ، لم ترد هذه في السنة إطلاقاً ، يتوجع على الناس ، وهو غارق في أخطائه .
إن من الإنابة أيضاً إنابة إلى الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هذه سماها العلماء الفريضة السادسة ، وهي في القرآن الكريم من علة خيرية هذه الأمة ، فإن لم تأمر بالمعروف ولم تنه عن المنكر فقدت خيريتها ، وأصبحت كأيّ أمة خلقها الله ، قال تعالى :
[ سورة النساء : الآية 59]
فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر فقدنا خيريتنا ، لذلك أهلَك الله بني إسرائيل لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، لا تجامل أحداً ، يجب ألاّ تأخذك في الله لومة لائم ، من أعان ظالماً سلطه الله عليه ، من أعان ظالماً ، ولو بشطر كلمة سلطه الله عليه .
قال تعالى :
[ سورة الأعراف : الآية 165]
[ سورة آل عمران : الآية 104]
يقول عليه الصلاة والسلام : ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)) .
بربكم هذه الثياب التي تصف أعضاء المرأة ، هذه الفتاة أليس لها أب ، وعم ، وأخ ، وخال؟ كلهم مسلمون ، لا يوجد أحد ينهاها عما تفعل ؟ هذا أقرب شيء إلينا ، هؤلاء الفتيات في الطرقات بنات من ؟ بنات المسلمين ، الدليل أمها إلى جنبها محجبة حجاباً كاملاً ، كيف رضيت من ابنتها أن تخرج هكذا ؟ كيف رضي أبوها ؟ كيف رضي أخوها ، عمها ، خالها ، كيف ؟؟؟ هذا الذي يقول عنه النبي عليه الصلاة والسلام : (( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم )) .
الآن في حرب العراق أنا فيما أعلم أنّ مساجد العالم الإسلامي بأكملها في كل الصلوات قنتت ، وقالت : اللهم دمر أعداء المسلمين ، اللهم شتت شملهم ، اللهم اجعل بأسهم بينهم ، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، الله ما استجاب ، هذا الحديث ((... ثم تدعونه فلا يستجاب لكم )) ، لأن المسلمين لم يتناهوا عن منكر فعلوه ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في حديث دقيق جداً ، ونحن في أمس الحاجة إليه : ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين )) ، هناك تحريف ، وانتحال ، وتأويل ، لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا )) .
[ أبو داود ]
فال عبد الله بن مسعود : " من كان مستناً فليستن بمن قد مات ، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة ، وأبرّها قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً ، اختارهم الله لصحبة نبيه ، ولإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم على آثارهم " .
لذلك : ((إن الله اختارني - كما قال عليه الصلاة والسلام - واختار لي أصحابي)) ، هؤلاء شهد لهم النبي بالخيرية ، وهم القرون الثلاثة الأولى : عَنْ عِمْرَان بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((خَيْرُكُمْ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ ، وَلَا يُؤْتَمَنُونَ ، وَيَشْهَدُونَ ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ، وَيَنْذِرُونَ ، وَلَا يَفُونَ ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ)) .
[ متفق عليه ]
الإنابة إلى الله عند الشعور بدنوِّ الأجل ، فيرضى المؤمن عن الله ، وعن قضائه ، ويستسلم لأمره.
عَنْ أَنَسٍ ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ : كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَرْجُو اللَّهَ ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ)) .
[ الترمذي ، أحمد ]
عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ ، وَهُوَ يَشْتَكِي ، فَتَمَنَّى الْمَوْتَ ، فَقَالَ : يَا عَبَّاسُ ، يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ، لَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ ، إِنْ كُنْتَ مُحْسِنًا تَزْدَادُ إِحْسَانًا إِلَى إِحْسَانِكَ خَيْرٌ لَكَ ، وَإِنْ كُنْتَ مُسِيئًا فَإِنْ تُؤَخَّرْ تَسْتَعْتِبْ خَيْرٌ لَكَ ، فَلَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ)) .
[أحمد ]
ينهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تمني الموت .
أيها الإخوة : هذه مرتبة من مراتب التوحيد ، أن تنيب إلى الله ، إما بالاستغفار ، وإما بمجاهدة النفس والهوى ، وإما بإنفاق المال ، وإما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإما بالاستعداد للموت ، هذه أنواع الإنابة إلى الله عز وجل ، وأختم هذا الدرس بالفكرة التي أحرص عليها حرصاً شديداً : ليس علم العقيدة أنك تعتقد ما ينبغي أن تعتقد ، ينبغي أن تعتقد ما ينبغي أن تعتقد ، وأن تكون على ما ينبغي أن تكون ، فالإنابة من لوازم التوحيد ، والاستغفار من لوازم التوحيد ، وفي درس قادم إن شاء الله نتحدث عن التوبة لأنها من لوازم التوحيد .
والحمد لله رب العالمين

الدرس "26"من العقيدة الإسلامية من خلال القرآن والسنة : مستلزمات العقيدة - الإنابة ، للدكتور محمد راتب النابلسي