التربية النبوية بالمواقف والقصص والأحداث
الحياة أحداث و مواقف متتالية وحكايات و قصص. و الأحداث و المواقف لها عواملها و أسبابها ، و
لها كذلك نتائجها و مخرجاتها . و في كل حدث أو موقف يكمن درس ينبغي أن نعيه

من أهم أساليب التربية الإسلامية ، فقد
استخدم الرسول من الأحداث و المواقف العملية دروساً لقنها للمسلمون و لقنوها هم
لأولادهم :

و من هذه المواقف :
1- موقف حادثة المرأة المخزومية التي سرقت على عهد رسول الله و عزُ على بعض
القرشيين أن ينفذ فيها حد السرقة الذي أمر به الله في كتابه العزيز ، و لجأوا
لأسامة بن زيد – حب رسول الله و ابن حبه – يشفعونه في هذا الأمر الخطير كي يعفي
المرأ من حد السرقة و يقبل فيها أي غرامة أو عقوبة أخرى . فكان لابد من درس
يثبتمعنى المساواة في العقوبات كما هي ثابتة في كل التكاليف و يزيل أوهام
الفوارق الطبقية بين الناس . لذا جاء الدرس التربوي في حينه و موضعه فقال
الرسول لأسامة بن زيد ( أتشفع في حد من حدود الله تعالى ؟) ثم قام فخطب ثم قال
) إنما أهلك الذين الين قبلكم لأنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، و إذا سرق
فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، و أيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقُطعت
يدها .
1- فقد أخرج البخاري و مسلم عن عمر بن أبي سلمة – رضي الله عنهما – قال : "
كنت غلاماً في حجر رسول الله – عليه السلام – فكانت يدي تطيش في الصحفة ، فقال
لي رسول الله " يا غلام : سم الله تعالى و كل بيمينك ، و كل مما يليك . فما
زالت تلك طعمتي بعدُ)" .فهذا تعلم أدب الطعام من هذا الموقف و استمر عليه ..
2- موقفه من الفضل بن عباس – رضي الله عنهما – عندما رآه ينظر إلى امرأة جميلة
فيحول وجه الفضل : أخرج الإمام أحمد عن الفضل بن عباس قال كنت رديف رسول الله
من جمع – أي : مزدلفة إلى منى فبينما هو يسير ، إذا عرض له أعرابي مردفاً ابنة
له جميلة ، كان يسايره ، قال : فكنت انظر إليها ، فنظر إلى النبي عليه السلام
فقلب وجهي عن وجهها ، ثم أعدت النظر ، فقلب وجهي عن و جهها حتى فعل ذلك ثلاثاً
، و أنا لا أنتهي فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ".. و تعلم الفضل غض البصر
و لم ينسى هذا الموقف حتى قصه علينا لنتعلم ...
3- و هذا موقف لنبي الله يعلم فيه الأم صدق التعامل مع الولد :
أخرج أبو داود عن عبد الله بن عامر قال : دعتني أمي يوماً و رسول الله قاعد في
بيتنا ، فقالت تعال أُعطك فقال لها عليه السلام ما أردت أن تعطيه ؟ " قالت :
أردت أن أعطيه تمراً ، فقال لها : أما إنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة " .
يقول أحد كبار المربين " إذا أردت غرس عادة الطاعة ، فتفرغ قبل كل شيء على
دراسة ابنك و قف على ما يفكر فيه و اعرف كيف يستجيب لما يعرض عليه . فكر ملياً
في وعودك قبل أن تعده بها ، فإذا وعدت فأوف بوعدك ، أو أوضح العلة في خلف الوعد
حتى تستبقي ثقة الطفل بك )
4- و لتعليم الناشئ توقير الكبير: روى الترمذي بسنده عن أنس رضي الله عنه –
قال جاء شيخ يريد النبي عليه السلام فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له ، فقال النبي
عليه السلام " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، و لم يوقر كبيرنا" .
5- و لتربيته على آداب المسجد :
- روى ابن ماجه بسنده عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهم قال : رأى رسول الله
عليه السلام نخامة في قبلة المسجد و هو يصلي بين يدي الناس فحتها ثم قال حين
انصرف من الصلاة " إن أحدكم إذا كان في الصلاة كان الله قبل وجهه فلا يتنخمن
أحدكم قبل وجهه في الصلاة " .
- روى البخاري بسنده عن أبي واقد الليثي قال : بينما رسول الله في المسجد فأقبل
ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله و ذهب واحد ، فأما أحدهما فرأى خرجة فجلس
فيها و أما الآخر فجلس خلفهم ، فلما فرغ رسول الله قال ألا أخبركم عن الثلاثة :
أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله ، و أما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه و
أما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه ".
- و من أدب مقاومة الإسراف و التبذير و الدعوة إلى الاقتصاد : روى البزار
بسنده عن طلحة رضي الله عته قال : كان رسول عندنا ، و كان صائماً فأتيناه عند
إفطاره بقدح من لبن ، و جعلنا فيه شيئاً من عسل فوضعه و قال : أما إني لا أحرمه
و من تواضع لله رفعه ، و من تكبر وضعه الله ، و من اقتصد أغناه الله ، و من بذر
أفقره الله " .
أسلوب التربية بالقصة

قال بعض علماء السلف ( ) الحكايات جند من جنود الله تعالى يثبت الله بها قلوب
أوليائه.
و شاهده من كتاب الله سبحانه و تعالى " و كلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت
به فؤادك " سورة هود: (آية: 120 ).
و قال أبو حنيفة – رضي الله عنه – " الحكايات عن العلماء و محاسنهم أحب إلى من
كثير من الفقه لأنها آداب القوم " .
و هذا نهج النبي عليه السلام مع الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً فقصة غلام
الأخدود لا تغيب على أحد منا ، فهي قصة قدمها لنا النبي عن طفولة غلام و تضحيته
في تبليغ دعوة الله و الثبات عليها رغم كل المخاطر التي حلت به .

1- أخرج مسلم عن صهيب – رضي الله عنه – أن رسول الله قال : كان ملك فيمن كان
قبلكم ، و كان له ساحر فلما كبر قال للملك : إني قد كبرت فابعث لي غلاماً أعلمه
السحر فبعث إليه غلاماً يعلمه فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه و سمع
كلامه فأعجبه و كان إذا أتى إلى الساحر مر بالراهب و قعد إليه فإذا أتى الساحر
ضربه فشكا ذلك إلى الراهب فقال : إذا خشيت الساحر فقل : حبسني أهلي و إذا خشيت
أهلك فقل : حبسني الساحر .
فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال اليوم أعلم :
الساحر أفضل أم الراهب أفضل ؟ فأخذ حجراً فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب
إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس فرماها فقتلها و مضى الناس
فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب : أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك
ما أرى و إنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي .
و كان الغلام يبرئ الأكمه ( من ولد أعمى) و الأبرص ( من بجسمه بياض ) و يداوي
الناس من سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمى فأتاه بهدايا كثيرة فقال :
ما هاهنا أجمع لك إن أنت شفيتني فقال : إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله تعالى
فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله لك فشفاك فآمن بالله فشفاه الله تعالى .
فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك : من رد عليك بصرك؟ قال : ربي
قال أولك رب غيري؟ قال : ربي و ربك الله ، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل الغلام
فجيء بالغلام فقال له الملك : أي بني قد بلغ من سحرك ما يبريء الأكمه و الأبرص
و تفعل و تفعل ! فقال إني لا أشفي أحداً و إنما يشفي الله تعالى فأخذه فلم يزل
يعذبه حتى دل على الراهب .
فجيء بالراهب فقيل له : ارجع عن دينك فأبى فدعا الملك بالمنشار فوضع المنشار في
مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك فقيل له : ارجع عن دينك فأبى
فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه .
ثم جيء بالغلام فقيل له : ارجع عن دينك . فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه ، فقال
: اذهبوا به إلى جبل كذ و كذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن
دينه و إلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا ذروته فإن رجع عن دينه و إلا فاطرحوه
فذهبوا به فصعدوا به الجبل فسقطوا و جاء يمشي إلى الملك ! فقال له الملك : ما
فعل أصحابك ؟ فقال كفانيهم الله تعالى !
فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا به فاحملوه في قرقورة ( أي : زورق صغير
) و توسطوا به البحر فإن رجع عن دينه و إلا فاقذفوه ، فذهبوا به فقال : اللهم
اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا و جاء يمشي إلى الملك فقال له
الملك ما فعل أصحابك ؟ فقال له كفانيهم الله تعالى .
فقال للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به قال : ما هو ؟ قال : تجمع
الناس في صعيد واحد ، و تصلبني على جذع ثم خذ سهماً من كنانتي ثم ضع السهم في
كبد القوس ثم قل : بسم الله رب الله هذا الغلام ، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك
قتلتني !
فجمع الناس في صعيد واحد و صلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم
في كبد القوس ثم قال : بسم الله رب هذا الغلام ثم رماه فوقع السهم في صُدعه(
ما بين العين إلى شحمة الأذن) فمات !! فقال الناس : آمنا برب هذا الغلام !.
فأتي الملك فقيل له : أرأيت ما كنت تحذر ، و قد و الله نزل بك حذرك قد آمن
الناس ! فأمر بالأخدود بأفواه السكك ( الطرق) فخَدت (شقت) و أضرم فيها النيران
و قال : من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له : اقتحم ففعلوا حتى جاءت
امرأة و معها صبي لها ، فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام " يا أماه اصبري ،
فإنك على الحق!".