بسم الله
من العلوم التي لا يسع المسلم جهلها الصلاة وما يتوصل إليه به مثل الطهارة والوضوء
ويلزم كل مسلم معرفة أحكام الوضوءوالطهارة والصلاة
وهذه الخطبة تتحدث عن هذا الموضوع أسأل الله أن ينفعنا بها
من أحكام الطهارة والصلاة- خطبة لسماحة المفتي عبد العزيز آل الشيخ
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل؛ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه، وعلى آلهِ، وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين.
أمَّا بعدُ:
فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى.
عبادَ الله، إنَّ من مُقوِّماتِ المُجتمعِ المُسلِمِ السوِيِّ، الانتظامَ، والاجتماعَ، والتعارفَ، وتآلفَ القلوبِ، والتراحمَ بينَ أفرادِ المجتمعِ المسلمِ، يقولُ صلى اللهُ عليه وسلم: "مثلُ المؤمنينَ في تَوَادِّهم وتَرَاحُمِهم وتَعاطُفِهم كمثلِ الجسدِ الواحدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بالحُمَّى والسَّهَرِ"، وإنَّما يَتِّمُ الانتظامُ والاجتماعُ بالطاعةِ لمن ولَّاهُ اللهُ أمرَ الأمّةِ، ولهذا أُمِرْنا بالسمعِ والطاعةِ في المعروفِ، ونُهِينا عن مُفارقةِ الجماعةِ، وعن الشذوذِ عنهم، في أي وسيلة، ولما كانت صلاةُ الجماعة في المسجد مظهرًا عظيمًا من مظاهر المجتمع المسلم جاءت الشريعة بتنظيمِ هذا المجتمعِ وهذا التَّجَمُّعِ من خلالِ الحثِّ على النِّظامِ، والتآلُفِ واتِبَّاعِ الإمامِ، والاقتداءِ به.
أيُّها المسلمُ، إنّ هناك آدابًا للمُصَلِّي يجبُ أن يَتَحَلَّى بها لِيَسُودَ التَّآلُفُ بينَ أفرادِ المُصَِّلينَ جميعًا، فأوَّلُ ذلك طهارةُ المسلمِ في ثوبِه، وطهارتُه في بدنهِ؛ فلقد أمرَ اللهُ بالتطَّهُرِ من الحَدَثَينِ الأصغرِ والأكبرِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) الآية.
ثانيًا: أُمر المسلمُ بطهارةِ البدنِ والثوبِ، فنُهِيَ المسلم عن التَّلَوُّثِ بالنَّجاساتِ، يقولُ صلى اللهُ عليه وسلم لما مرَّ بقبرينِ، قال: "إنَّهما لَيُعَذَّبانِ، وما يُعَذَّبانِ في كبيرٍ، أمَّا أحدُهما فكان لا يَسْتَنْزِهُ من البولِ، وأمّا الآخر فكان يمشي بالنميمة"، فَأَخَذَ النَّبِيُّ جَريدَةً رَطْبَةً؛ فَشَقَّها نِصفَينِ، فَوَضَعَ على كُلِّ قبرٍ نِصْْْْفًا، وقال: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عنهما ما لم يَيْبَسَا"، وقال صلى اللهُ عليه وسلم: "عامَّةُ عذابِ القبرِ من البولِ"، واللهُ يقولُ: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّر)، كما أُمِرَ المسلمُ أيضًا عندَ الصَّلاةِ باتِّخَاذِ الزِّينةِ من اللِّباسِ، حتى لا يُؤْذِيَ أحدًا برائحةٍ كريهةٍ، يقولُ اللهُ جلَّ وعلا: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، قال العلماءُ في قوله: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد) أيْ: عندَ كُلِّ صلاةٍ، ومِن ذلكَ أنَّ المُصَلِّيَ نُهِيَ عن تَعاطِي ما يُنَفِّرُ المصلين، مِنْ عن يمينِه ويسارِه، يقولُ صلى اللهُ عليه وسلم: "مَنْ أكلَ فُومًا، أو بَصَلًا، أو كُرَّاثًا؛ فلْيعتزِلْنا، ولْيعتزِلْ مُصَلَّانا؛ فإنَّ الملائكةَ تَتَأَذَّى ممَّا يَتَأَذَّى منه بَنو آدَمَ"، ولهذا شُرِعَ السِّواكُ عندَ الوُضوءِ، وشُرِعَ السِّواكُ عندَ الصَّلاةِ، يقولُ صلى اللهُ عليه وسلم: "لَوْلَا أنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي لأمرتُهم بالسِّواك عندَ كُلِّ وُضوءٍ" وفي لفظ "عند كل صلاة".
وممّا يُسَبِّبُ الانتظامَ أيضًا ما أُمِرَ به من تسويةِ الصُّفوفِ، ولتكنْ صفوفُ المسلمينَ وراءَ إمامِهم مُنتظمةً، وغيرَ مُعْوَجَّةٍ، ولا مُخْتَلِفَةٍ، ولهذا النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم يقول -كما قال النُّعمانُ بنُ بَشيرٍ رضي اللهُ عنه-: كان رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يُسَوِّي صُفوفَنا أي في الصَّلاةِ كأنّما يُسَوِّي بها القداحَ، فخرجَ يومًا، فرأى رجلًا باديًا صدرُه؛ فقال: "عبادَ اللهِ لَتُسَوُنَّ صفوفَكم، أو لَيُخالِفَنَّ اللهُ بينَ وجوهِكم" وقال أيضًا: "اِسْتَووا ولا تَخْتَلِفوا فَتَخْتَلِفُ قُلوبُكم"، وقال أنسُ: قال لنا رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: "سَوُّوا صفوفَكم؛ فإنِّي أَراكم مِن وراءِ ظَهْرِي"، قال أنسُ: فكان الرَّجُلُ يُلْصِقُ مَنْكِبَه بِمَنْكِبِ صاحِبِه، وقَدَمَه بقدمِ صاحِبِه"، ومِنْ ذلِكُم أيضًا ما أَدَّبَ به المأمومَ وراءَ إمامِه بأن أَوْجَبَ عليه متابعةَ الإمامِ، وحَرَّمَ عليه مسابقةَ الإمامِ، يقولُ صلى اللهُ عليه وسلم: "إنّمَا جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به، فلا تَخْتَلِفُوا عليه؛ فإذا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، ولا تُكَبِّرُوا حتَّى يُكَبِّرَ، وإذا رَكَعَ؛ فارْكَعوا ولا تركعوا حتى يَرْكَعَ، وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقولوا ربَّنا لك الحمدُ، وإذا سَجَدَ؛ فاسْجُدوا ولا تَسْجُدُوا حتَّى يسجُدَ"، أدبٌ للمأموم وراءَ الإمامِ وهو إتباع إمامِه وعَدَمُ مُسابقتِه ومُوافقتِه، بل تكونُ أفعالُ المأمومِ كُلُّها واقعةً بعدَ أفعالِ إمامِه لِيَتِمَّ هذا الانتظامُ، وتصلُحُ الأحوالُ.
ولِلاِقْتِدَاءِ بالإمامِ فوائدُ، فمن ذلك أن المأمومينَ يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ وراءَ إمامِهم في هيئةٍ واحدةٍ يَتَنَقَّلُون من رُكنٍ إلى رُكنِ بقولِ: اللهُ أكبرُ فيُكَبِّرون بعدَ تكبيرِ إمامِهم، ويركعون بعدَ رُكوعِه، ويَرفَعون بعدَ رفعِه، ويَسجُدون بعدَ سجودِه، هكذا تَتَحَقَّقُ المُتابعةُ، ويَتَحَقَّقُ كَوْنُ المأمومِ مُقْتَدٍ بإمامِه مُتَّبِعًا له، ومن ذلك أيضًا أنَّ هذا الاتِّباعَ يجعلُ علاقةً قويةً بين الإمامِ والمأمومين، وهي تَرتَقِي إلى تنظيمٍ عامٍ بين الرَّاعي ورَعِيّتِه، ومنها أنَّ هذا الاتِّباعَ يضبِطُ النّفْسَ ويحفَظُ الانتظامَ، ولا تكونُ الأمورُ فَوْضَوِيَّةً؛ فإنَّ كونَ المأمومينَ وراءَ إمامِهم يَقْتَدُونَ بهِ في حَرَكاتِهِ كُلِّها؛ فلا يَتَقَدَّمُونَ عليه، ولا يُسابِقُونَه دل على حُسْنِ الاِقْتِدَاءِ به، ومن ذلك أنه صلى اللهُ عليه وسلم حَرَّمَ على المأمومِ مُسابقةَ إمامِه وجَعَلَ تِلكَ المسابقةَ من كبائرِ الذُّنوبِ؛ لأنه رتَّبَ عليه الوعيدَ الشَّديدَ، يقولُ صلى اللهُ عليه وسلم: "أما يَخْشَى الذي يرفعُ رأسَهُ قبلَ الإمامِ أن يُحَوِّلَ اللهُ رأسَهُ رأسَ حِمارٍ، أو يجعلَ صورتَه صورةَ حِمارٍ؟" وفي لفظ: "أو يجعلَ صورتَه صورةَ كلبٍ"، إنّه وَعيدٌ شديدٌ، وَعيدٌ أكيدٌ، أمَا يَخشَى يعني: أنَّ المُسابِقَ لإمامِه يُخشَى عليه مِن أن يُحَوِّلَ اللهُ هيئتَه الحسنةَ إلى هيئةٍ سَيِّئَةٍ عُقوبةً له على مُسابَقَةِ إمامِه، وعَدَمِ اِنتِظامِه معه، وهو وعيدٌ حَقٌّ، مِن إِخبارِ المُصطَفَى صلى اللهُ عليه وسلم، يَتَوَعَّدُ من سابقَ الإمامَ بأنه مُعَرِّضٌ نفسَه لهذهِ العقوبةِ العظيمةِ؛ فإنَّ التصديقَ بهذا حَقٌّ؛ لأنه إخبارُ الصَّادِقِ المصدوقِ؛ بأنَّ مسابقةَ الإمامِ سببٌ لهذهِ المصيبةِ العظيمةِ، ويقولُ صلى اللهُ عليه وسلم: "الذي يرفع ويركع قبل الإمام ناصِيَتُه بِيَدِ شيطانٍ"، وهو القائلُ لهم: "إنِّي إِمامُكم؛ فلا تَسبِقُوني بالرُّكوعِ، ولا بالسُّجودِ، ولا بِالانصِرافِ"، هذا هو الواجبُ عليك أيُّها المُصَلِّي وراءَ إمامِكَ ألَّا تَسْبِقَهُ بشيءٍ؛ فإن سَبَقْتَهُ بتكبيرةِ الإحرامِ، بأن كَبَّرْتَ قَبْلَه أو معه، لم تَنْعَقِدْ صلاتُك؛ لأنّك سَبَقْتَهُ بتكبيرةِ الإحرامِ؛ فأصبحتَ منفرِدًا، ولم تُصبِحْ مأمومًا، فحرامٌ عليك أن تُؤَدِّيَ تكبيرةَ الإحرامِ قبلَ إمامِك، وحرامٌ عليك أن ترفعَ رأسَك من الرُّكوعِ قبلَ رفعِ إمامِك، وحرامٌ عليكَ أن تسجدَ قبلَ سجودِ إمامِك وحرامٌ أن ترفعَ من السُّجودِ قبلَ إمامِك، وحرامٌ عليكَ أن تُسَلِّمَ قبلَ سلامِ إمامِك، كُلُّ هذا حرامٌ عليكَ؛ لأنه يُخالِفُ الاِقْتِدَاءَ المطلوبَ.
وهناك أسبابٌ تُؤَدِّي إلى مُسابَقَةِ الإمامِ،فمنها الغفلةُ عن الصلاةِ بأن يكونَ المُصَلِّي في غفلةٍ في نفسهِ، لا يَقتَدِي بإمامِه، ولا يَتَدَبَّرُ قراءَتَه إن قَرَأَ، ولا يَشتَغِلُ بأذكارِ الصلاةِ، بل قلبُه غائبٌ عنه أثناءَ الصلاة، فَتَراهُ رُبَّما رَكَعَ أو سَجَدَ، أو رَفَعَ قبلَ إمامِه، وهذا كُلُّه من الغفلةِ عن الصلاةِ، ثم فيه الإخلالُ بنظامِ الإمامةِ، ثُمَّ فيه التشويشُ على المُصَلِّينَ، وعدمُ اِنضِباطِ ذلك، ثُمَّ فيه دليلٌ على الكِبْرِ في النفسِ؛ لأنَّ بعضَهم لا يَقتدِي بإمامِه، وإِنْ كان في الصورةِ وَرَاءَ إمامِه، لكنّه تَراهُ يَتَقَدَّمُ عليه ببعضِ الحركاتِ، فرُبَّما رَفَعَ قبلَه إذا رآه ابتدأَ بالرفعِ من الرُّكوعِ رَفَعَ قبلَ إمامِه، أو خَرَّ ساجِدًا قبلَ إمامِه، وهذا مُخالفٌ لِسُنَّةِ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وهَدْيِ أصحابِه بعدَهُ.
أيُّها المسلمُ، إنَّ إخلالَك بمُتابعةِ الإمامِ نَقْصٌ عليكَ في صلاتِكَ، فَاتَّقِ اللهَ فيها، وإِيَّاكَ ومسابقةَ الإمامِ، يقولُ البَراءُ بنُ عازِبٍ: "كان رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إذا قالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لمْ يَحْنِ أحدٌ منَّا ظهرَهُ حتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ساجدًا، ثم نَقَعَ سُجُودًا بعدَهُ، فكانوا لا يَسْجُدونَ، حتى يَرَوْا رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قد مَكَّنَ جَبْهَتََه من الأرضِ؛ فيَسجُدُون بعدَ سجودِه، هكذا كانوا يَتَأَدَّبون بهذا الأَدَبِ العظيمِ، رأى بعضُ الصحابةِ رجلًا يُسابِقُ إمامَه؛ فقالَ له: "لا وَحْدَكَ صَلَّيْتَ، ولا بإِمامِك اِقْتَدَيْتََ"، لا وحدَكَ صَلَّيْتَ لو كنتَ مُنفَرِدًا نعم، ولا بإمامِك اِقتديتَ؛ لأنك سابقتَ فَمُسابَقَتُكَ له، يَدُلُّ على أنك لم تقتدِ بإمامِك، لم تقتدِ به، إذ لو اقتديتَ به لكانتْ أفعالُك بعدَ أفعالِ إمامِك، فنبيُّنا صلى اللهُ عليه وسلم حينَ يقولُ: "إِنِّي إمامُكم؛ فلا تَسبِقونِي بالرُّكُوعِ، ولا بالسُّجُودِ، ولا بالاِنصِرافِ؛ فلا تَسْجُدوا قَبْلي، ولا تَرْفَعُوا قَبْلِي، ولا تُسَلِّمُوا قَبْلَ أنْ أُسَلِّمَ"، لأنك مربوطٌ بإمامِك؛ فانتظِمْ في ذلك، وحقِّقْ الانتظامَ الصحيحَ، ودَعْ عنك الكبرَ و التَّمَرُّدَ ؛فإنَّ هذا غيرُ لائِقٍ بك أيُّها المُصَلِّي؛ فإنَّ كونَكَ تَتَأَدَّبُ في صلاتك بهذا الأدبِ العظيمِ دليلٌ على إخلاصِك وحُبِّكَ للخيرِ.
إنَّ الانتظامَ وراءَ الإمامِ، وكونَ أفعالِ المأمومينَ بعدَ أفعالِ إمامِهم انتظامٌ للصلاةِ، وسلامةٌ لها، وأمَّا الفَوْضَوِيَّةُ، وعَدَمُ المُبالاةِ؛ فدليلٌ على نقصِ الإيمانِ، وقِلَّةِ الاِتِّباعِ، أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ: (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونَفَعَنِي وإيَّاكم بما فيهِ من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ اللهَ العظيمَ الجليلَ، لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كُلِّ ذنبٍ؛ فاستغفروه، وتوبوا إليهِ، إنّه هو الغفورُ الرَّحيمُ.

الخطبة الثانية:
الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، أما بعدُ:
فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى.
أخي المُصَلِّي، إنَّ عَدُوَّ اللهِ إبليسَ يُحاوِلُ أن يَصْرِفَكَ عن الصَّلاةِ، ويُحاوِلُ صَدَّكَ عنها، ويُحاوِلُ اِنْصِرَافَك عنها؛ فإنه يَأتِي عندَ بابِ المسجدِ؛ فإذا سَمِعَ المُنادِيَ يُنادِي للصَّلاةِ وَلَّى وله ضُراطٌ، حتى لا يسمعَ الأَذانَ؛ فإذا انصرفَ الأذانُ أقبلَ فإذا أُقِيمَتْ الصَّلاةُ وَلَّى وله ضُراطٌ؛ فإذا انقضى التَّثْوِيبُ أقبلَ حتى يَعْرِضَ بينَ العبدَ وبينَ قلبِه، يقولُ: اذكُرْ كذا، اذكر كذا، فَيَضَلَّ العبدُ في غفلةٍ وسهوٍ في صلاتِه، فَاتَّقِ اللهَ في صلاتِكَ، وإذا شعرتَ مِنْ ذلكَ بشيءٍ؛ فَتضدارَكْ الأخطاءَ؛ فإن ركعتَ قبلَ إمامِك، أو رفعتَ قبلَه ناسيًا؛ فَعُدْ حتَّى يكونَ رفعُكَ بعدَ إمامِك وسجودُكَ بعدَ إمامِكَ؛ فإن أَصْرَرْتَ على تَعَمُّدِ المُسابَقَةِ ولم تُبالِ بذلكَ؛ فإنَّ صلاتَكَ باطلةٌ؛ لأنك سابقتَ إمامَك بلا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، سابقتَهُ تَعَمُّدًا؛ فإنَّ هذا يُبْطِلُ صلاتَك، قال الإمامُ أحمدُ -رحمه الله - :و"إنِّي لَأَعْتَبُ من المسلمِ يَخرُجُ من الصَّلاة في الرمضاءِ والظلماءِ قاصدًا وجهَ اللهِ؛ فتراه يُسابِقُ إمامَه في صلاتِه؛ فيخرُجُ من صلاتِه ولم يُكْتَبْ له منها شيءٌ"؛ فالحذرَ الحذرَ من هذه المُسابَقَةِ، والزموا طاعةَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، وحَقِّقُوا قولَه "إنَّما جُعِلَ الإمامُ؛ ليُؤْتَمَّ بهِ"،فما وُضِعَ الإمامُ إلَّا ليُؤْتَمَّ به، ومن لازمِ الاِئْتِمََامِ أن تكونَ حركاتُنا بعدَ حركاتِ إمامِنا، وألَّا نَتَقَدَّمَ عليه في أيِّ جُزءٍ من أجزاءِ الصلاةِ؛ لنكونَ مُؤْتَمِّينَ به حَقًّا، ُمَتَّبِعِينَ سُنَّةَ نبيِّنا محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، حَرِيصِينَ عليها؛ لأنها تقطعُ عَنَّا الهَواجِسَ والمشاغِلَ، وتجعلُنا مُرتَبِطينَ بإمامِنا، نَهتَمُّ بقراءته وبتكبيرِه للركوعِ، وبِرَفْعِه من الركوع، وبِسجودِه ورفعه من السجود وبتسليمه؛ فنكونُ مقتدينَ به كما أَمَرَنا نبيُّنا صلى اللهُ عليه وسلم.
واعلموارحِمكم اللهُ أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ؛ ومن شذَّ شذَّ في النار،وصَلُّوا رحِمكم اللهُ على محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، امتثالًا لأمرِ ربِّكم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وارضَ اللَّهُمَّ عن خلفائِه الراشِدِين الأئمَّةِ المَهدِيِّين، أبي بكر وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، وعن سائر أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التابعين، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك، وإحسانِكَ، يا أرحمَ الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّرْ أعداءَ الدين، وانصُر عبادَك المُوَحِّدين، واجعلِ اللَّهُمَّ هذا البلدَ آمنًا مُطمئِنًا، وسائرَ بلاد المسلمين، يا ربَّ العالمين ، اللَّهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتََََّنا وولاةَََ أمرِنا، اللهمَّ وفِّقْهُم لما فيه صلاحُ الإسلامِ والمسلمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ، عبدَ الله بنَ عبدِ العزيزِ لكل خير، اللَّهمَّ أمده بعونك وتوفيقك وتأييدك وكن له عونًا ونصيرًا في كل ما أهمه، اللهمَّ أَرِهِ الحقَّ حقًّا، وارزُقهُ اتِّباعَه، وأَرِهِ الباطلَ باطلًا، وارزُقه اجتنابَه، اللّهمَّ أيِّدْهُ بالحَقِّ، وأيِّدِ الحَقَّ به، اللّهُمَّ شُدَّ عَضُدَهُ بوليِّ عهدِه سلطانَ بنِِ عبدِ العزيزِ، ووفقْهُ للصوابِ في أقواله وأعماله وارزُقه الصِّحَةَ والسلامةَ والعافيةَ، ووفِّقْ النائبَ الثانِيَ لكُلِّ خيرٍ، واجعلْهم قادةَ خيرٍ وأئمةَ هدًى؛ إنك على كُلِّ شيءٍ قديرٌ.
أيُّها الإمامُ الكريمُ، إذا أردتَ أن تقطعَ مُسابقةَ المأمومين خلفَك، فَاَّتِق اللهَ في تكبيرِكَ، فبعضُ إخوانِنا الأئمَّةِ، إذا أرادَ أن يُكَبِّرَ رُبَّما مَدَّ التكبيرَ مدًا طويلًا، ورُبَّما ظنَّ المأمومُ أنه قد سَجَدَ، ونحوَ ذلكَ؛ فيُسابِقُهُ، أو يَمُدُّ "سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه" مَدَّا فيه زيادةٌ؛ فرُبَّما ظنَّ المأمومُ البعيدُ، أنه قد سجد فَيُسابِقُه؛ فَاَّتِق اللهَ في حركاتِك؛ وفيما تعملُ، اِحْرِصْ على ألَّا تكونَ سببًا في مُسابَقَةِ المَأمومِينَ لك، وتَعاهَدْهُم إذا رأيتَ شيئًَا من ذلك؛ فإنَّ النصيحةَ والتوجيهَ أمرٌ مَطلوبٌ من الإمامِ مع جماعَتِه ليُوَجِّهَهُم فيما يُخِلُّ بصلاتِهم، وفيما يُسَبِّبُ النقصَ عليهم في صلاتهم، سواءً في الطُمَأْنِينَةِ، أو في المُسابَقَةِ، أو نحوِ ذلك من أحكامِ الصلاةِ المُهِمَّةِ، التي بيانُها مُتَعَيِّنٌ لتكونَ صلاةُ المسلمينَ مُوافِقَةً لشرعِ اللهِ.
أسألُ اللهَ للجميعِ التوفِيقَ والسَّدادَ والعونَ على كُلِّ خيرٍ، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الأحزاب: ٥٦] (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23].
اللّهمّ أنت اللهُ، لا إله إلا أنت، أنتَ الغنيُّ ونحنُ الفقراءُ، أنزِلْ علينا الغيثَ، واجعلْ ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك، وبلاغًا إلى حينٍ، اللّهمّ أنت اللهُ، لا إله إلا أنت، أنتَ الغنيُّ ونحنُ الفقراءُ، أنزِلْ علينا الغيثَ، واجعلْ ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعَتِكَ، وبلاغًا إلى حين، اللَّهمَّ أَغِثْنَا، اللهم أَغِثْنا، اللهم أغثتنا، اللهم سُقْيَا رحمةٍ، لا سُقيا بلاءٍ، ولا هدمٍ، ولا غرَقٍ،ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ.
عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل:90]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرُ، والله يعلمُ ما تصنعون.