.
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد ..

لما كان من أهم ما يفهم به القرآن العظيم و من أهم ما يفهم به آياته .. هو سبب نزول الآية .

ولما كثر في ذلك القيل و القال و السماع من بعض أهل الدعوة من الأسباب .. مالا يصح و قد انتشر ذلك بين الناس أيضا ..

و حرصا على نشر العلم و عدم كتمانه .. دفعني كل ذلك .. إلى الاستمتاع بهذه التحفة من مؤلفات فضيلة الشيخ رحمه الله .. مقبل بن هادي الوادعي ( الصحيح المسند من أسباب النزول ) حتى نتعرف سويا على تلك الأسباب ( الصحيح منها ) و ترك ما عداها .
1- تعريف سبب النزول :

سبب النزول يكون قاصرا على أمرين :

أحدهما : أن تحدث حادثة قينزل القرآن الكريم بشأنها كما في سبب نزول { تبت يدا أبي لهب و تب } كما سيأتي إن شاء الله .

الثاني : أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فينزل القرآن ببيان الحكم فيه كما في سبب نزول آية اللعان كما سيأتي إن شاء الله .

2- طريقة معرفته :

أما طريقة معرفته , فالعلماء يعتمدون في معرفة سبب النزول على صحة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابي , فإن إخبار الصحابي في مثل هذا له حكم الرفع ( قلت ( محمود) حكم الرفع يعني أن الحديث عن الصحابي في هذه الحالة لا يصح أن يكون برأيه و لكنه أخذه إما عن رسول الله من كلامه أو من حادثة هو شهدها على عهد النبي عليه الصلاة و السلام .. و الحديث المرفوع هو كل قول أو فعل نسب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ) .
قال بن الصلاح رحمه الله في كتابه علوم الحديث :

الثالث : ما قيل إن تفسير الصحابي حديث فإنما ذلك في تفسير يتعلق بسبب نزول الآية يخبر به الصحابي أو نحو ذلك .

كقول جابر رضي الله عنه : كانت اليهود تقول : من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول .. فأنزل الله عز وجل { نساؤكم حرث لكم } الآية .

فأما سائر تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة شيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعدود في الموقوفات و الله أعلم .ا.هـ ( قلت : محمود .. الحديث الموقوف هو ما نسب من قول أو فعل إلى الصحابي و ليس هو من قول أو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم )

أما قول التابعي : نزلت في كذا : فهو مرسل , فإن تعددت طرقه قبل و إلا فلا على الراجح عن المحدثين . ( قلت محمود .. المرسل , هو الحديث الذي يروى عن التابعي من قول أو فعل ينسبه إلى رسول الله .. فإن روى التابعي و قال .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا دون ذكر الصحابي الذي سمع منه فهذا يعرّف بالإرسال .. وهذا من أنواع الحديث الضعيف )

3- العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب :

و الدليل على ذلك .. أن الأنصاري الذي قبّل الأجنبية و نزلت فيه { إن الحسنات يذهبن السيئات } قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ألي هذا و حدي يا رسول الله ؟
ومعنى هذا : هل حكم هذه الآية يختص بي لأني سبب نزولها ؟ : فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بأن العبرة بعموم اللفظ .. فقال " بل لأمتي كلهم "

أما صورة السبب : فجمهور أهل الأصول أنها قطعية الدخول في العام , فلا يجوز إخراجها منه بمخصص .
ورو ي عن مالك : أنها ظنية الدخول كغيرها من أفراد العام .

( قلت محمود : ومثال لذلك حتى يفهم : أنه لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتوضأ بماء البحر مثلا فقال " هو الطهور ماؤه " .. فهذا ليس معناه أن ماء البحر يتوضأ به فقط .. فلا يقال لا يجوز التطهير به إلا في الوضوء , بل يغتسل به من الجنابة و تغسل به النجاسة .. الخ , و أيضا يشمل الجواب السائلين و غيرهم من الناس .. ( وهذا معنى العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ) أما قوله : أن صورة السبب قطعية الدخول في العام معناه .. أن الوضوء بماء البحر للقوم الذين سألوا النبي جائز قطعا .. لأن اللفظ جاء عن سؤالهم عنه , و إلا لو كان ماء البحر لا يتطهر به لما بين لهم النبي , و يكون ذلك تأخير للبيان عن وقت الحاجة و هذا غير جائز .. ( الواضح في أصول الفقه محمد الأشقر ص 194 ))

4- قد تتعدد الأسباب و النازل واحد :

كما في آية اللعان و غيره من الآيات كما ستجده إن شاء الله في موضعه .

وكذا قد تتعدد الآيات النازلة و السبب واحد .. كما في حديث المسيب رضي الله عنه في شأن وفاة أبي طالب .. و قول النبي لأستغفرن لك مالم أنه عنك .. فأنزل الله { ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } .. ونزل في أبي طالب { إنك لا تهدي من أحببت و لكن الله يهدي من يشاء } .

والأمثلة على ذلك كثيرة ستمر بك إن شاء الله .

5- صيغة سبب النزول :

إما أن تكون صريحة في السببية و إما أن تكون محتملة .

فتكون نصا صريحا إذا قال الراوي : سبب نزول هذه الآية كذا , أو إذا بفاء تعقيبية داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة أو السؤال كما إذا قال : حدث كذا أو سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت كذا .
فهاتان صيغتان صريحتان في السببية , و سيأتي لهما أمثلة إن شاء الله .

و تكون الآية محتملة للسببية و لما تضمنته الآية من الأحكام إذا قال الراوي : نزلت هذه الآية في كذا , فذلك يراد به تارة أنه سبب النزول , و تارة أنه داخل في معنى الآية .
وكذا قوله : أحسب أن هذه الآية نزلت في كذا , أو ما أحسب هذه الآية إلا نزلت في كذا , فإن الراوي بهذه الصيغة لا يقطع بالسبب .

فهاتان صيغتان تحتملان السببية و غيرها .. و سيأتي لهما أمثلة إن شاء الله .ا.هـ .

مختصرا من كتاب (( مباحث في علوم القرآن )) لمناع القطان .

فائدة : من القرآن ما نزل لسبب , و منه ما نزل ابتداء بعقائد الإيمان وواجبات الإسلام و غير ذلك من التشريع .. و إنما ذكرت هذا لأن بعضهم طالبني في ذات مرة أن أذكر له سببا آخر لقوله تعالى { و منهم من عاهد الله } الآية .. عندما قلت له أن القصة التي وردت في ثعلبة ضعيفة .. و كذا قوله تعالى { يوفون بالنذر و يخافون يوما كان شره مستطيرا } إلى آخر الآيات .. عندما قلت لبعضهم : إن ما ورد أنها نزلت في علي و فاطمة ليس بصحيح و قد ذكرها بن الجوزي في الموضوعات ووافقه السيوطي , فأحببت التنبيه لئلا يظن من لم يمارس سبب النزول أن لكل آية سببا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ

4- قد تتعدد الأسباب و النازل واحد :


سورة البقرة
أسباب النزول ...

( قمت باختصار السند .. و اكتفيت بالرواي الأعلى و مخرج الحديث فقط و قمت بكتابة بعض التعليقات للفائدة )

سورة البقرة

(1) قوله تعالى { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } ( 79)

أخرج البخاري عن بن عباس رضي الله عنهما قال { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } .. قال : نزلت في أهل الكتاب .

(2) قوله تعالى { من كان عدوا لجبريا فإنه نزّله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه و هدى و بشرى للمؤمنين } (97)

أخرج الإمام أحمد عن بن عباس قال : أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي و اتبعناك فأخذ عليهم ما أخذ اسرائيل على بنيه ( اسرائيل هو يعقوب ) إذ قالول الله على ما نقول وكيل ..

قال " هاتوا " ..

قالوا : أخبرنا عن علامة النبي .

قال " تنام عيناه و لا ينام فلبه " .

قالوا : أخبرنا كيف تؤنث المرأة و كيف تذكر ؟

قال " يلتقي الماءان فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت , و إذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت "

قالوا : أخبرنا ما حرم اسرائيل على نفسه .؟

قال " كان يشتكي عرق النسا فلم يجد شيئا يلائمه إلا ألبان كذا و كذا " .. قال عبد الله قال أبي , قال بعضهم : يعني الإبل فحرّم لحومها .

قالوا : صدقت .. قالوا : أخبرنا ما هذا الرعد ؟

قال " ملك من ملائكة الله عز وجل موكل بالسحب بيده أو في يده مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله " .

قالوا : فما هذا الصوت الذي يسمع .

قال " صوته "

قالوا : صدقت , إنما بقيت واحدة و هي التي نبايعك إن أخبرتنا بها فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك ؟

قال " جبريل عليه السلام "

قالوا : جبريل ! ذاك الذي ينزل بالحرب و القتال و العذاب عدونا , لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة و النبات و القطر لكان .

فأنزل الله عز وجل { من كان عدوا لجبريل } .الآية

والحديث أخرجه أبو نعيم أيضا في الحلية .. و أخرجه الإمام أحمد أيضا من طريق شهر بن حوشب و الطيالسي و بن جرير و ابن سعد .. عن بن عباس نحوه !

وقد حكى بن جرير الإجماع أنها نزلت جوابا لليهود من بني اسرائيل إذ زعموا أن جبريل عدو لهم و أن ميكائيل و لي لهم .

فيكون الإجماع مؤيدا لهاتين الطريقتين على ما بهما من ضغف .

(3) قوله تعالى { فاعفوا و اصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله كان على شيء قدير } (109)

قال أبو الشيخ في (( كتاب الأخلاق )) بسنده عن عروة عن أسامة بن زيد , أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار فقال لسعد " ألم تسمع ما قال أبو الحباب , يريد عبد الله بن أبي , قال : كذا و كذا " فقال سعد بن عبادة : اعف عنه و اصفح , فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم , و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه يعفون عن أهل الكتاب و المشركين .

فأنزل الله عز وجل { فاعفوا و اصفحوا حتى يأتي الله بأمره } .

(4) قوله تعالى { ولله المشرق و المغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } (115)

أخرج الامام مسلم عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي و مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه , وفيه نزلت { فأينما تولّوا فثم وجه الله } .

(5) قوله تعالى { واتخذوا من مقام ابراهيم مصلّى } (125)

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أنس , قال عمر : وافقت ربي في ثلاث فقلت : يا رسول لو اتخذنا من مقام ابراهيم مصلّى .
فنزلت { واتخذوا من مقام ابراهيم مصلّى } .
وآية الحجاب , قلت : يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن , فإنه يكلمن البر و الفاجر .
فنزلت آية الحجاب , و اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه فقلت لهن : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن . فنزلت هذه الآية .

وأخرج الإمام مسلم عن بن عمر قال :
قال عمر : وافقت ربي في ثلاث : في مقام إبراهيم , و في الحجاب , و في أسارى بدر .

( قلت .. محمود : و أسارى بدر أراد أن يأخذ رسول الله منهم الفداء و أراد عمر قتلهم .. وكان هذا دأب عمر رضي الله عنه فكما أخرج الترمذي من حديث بن عمر أنه قال : ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه و قال فيه عمر إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر .. قال بن حجر ( و هذا دال على كثرة موافقته و أكثر ما وقفنا منها بالتعيين على خمسة عشر لكن ذلك بحسب المنقول ) ) .



(6) قوله تعالى { و لمّا جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم و كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } (89)

قال بن إسحاق و حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا : إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى و هداه لنا لما كنا نسمع من رجال يهود . و كنا أهل شرك أصحاب أوثان , و كانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا , و كانت لا تزال بيننا و بينهم شرور , فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا : إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد و إرم , فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم , فلما بعث الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى و عرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به و كفروا به , ففينا و فيهم نزلت هذه الآية من البقرة { و لمّا جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم و كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين } ا.هـ . من سيرة بن هشام .

وهو حديث حسن , فإن بن إسحاق صرّح بالتحديث فحديثه حسن كما ذكره الحافظ الذهبي في (( الميزان )) .
( قلت : محمود : و أما قوله في السند " عن رجال من قومه " فهذا ليس جهالة في رجال السند , و لكن هؤلاء الرجال هم من الصحابة و عدم تسمية الصحابي في الحديث لا تضر , فالصحابة كلهم عدول و الحمد لله " .
أما عن ابن إسحاق فلابد أن يصرّح بالسماع لأنه مدلّس " أي يوهم بالسماع ممن يروي عنه و هو لم يسمع فيقول عن فلان " و إلا فحديثه يكون منقطعا وهو من أقسام الحديث الضعيف )

(7) قوله تعالى { سيقول السفهاء من الناس ما ولّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } (142)

قال بن إسحاق :

حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن البراء قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس و يكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله , فأنزل الله : { قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام }
قال رجال من المسلمين : وددنا لو علمنا علم من مات قبل أن نصرف إلى القبلة , فأنزل الله { و ما كان الله ليضيع إيمانكم } .
وقال السفهاء من الناس : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها , فأنزل الله { سيقول السفهاء من الناس } إلى آخر الآية ا.هـ . منقولا من لباب النقول في أسباب النزول } للحافظ السيوطي و من تفسير الحافظ بن كثير .

(قلت محمود , و هناك لفظة " فوددنا لو علمنا علم من مات " و هذه اللفظة في الطبعة بين أيدينا ( الحرمين ) و لكن لما رجعنا لتفسير بن كثير وجدناها من دونها .. وهي أصوب , و الله تعالى أعلم .)

(8) قوله تعالى { ومكان الله ليضيع إيمانكم } (143)

أخرج البخاري عن البراء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا . وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت و أنه صلى أو صلاها صلاة العصر و صلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل مسجد و هم راكعون قال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت . وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا فلم ندر ما نقول فيهم . فأنزل الله { وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم }.

قال الحافظ في الفتح (1\104) و للمصنف ( أي للبخاري ) في التفسير من طريق الثوري عن أبي إسحاق سمعت البراء . فأمن ما يخشى من تدليس أبي اسحاق .

وأخرج الإمام الترمذي من طريق سماك عن عكرمة عن بن عباس قال : لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا و هم يصلون إلى بيت المقدس ؟
فأنزل الله تعالى { و ما كان الله ليضيع إيمانكم } الآية . قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح .

* في رواية سماك عن عكرمة اضطراب , لكنه شاهد لما قبله كما ترى .. و الحديث أخرج أبو داود و الطيالسي و الحاكم و قال : صحيح الإسناد و سكت عليه الذهبي .

( قلت : محمود .. و الشاهد لأي حديث يجب أن يكون من طريق صحابي آخر حتى يصلح شاهدا )

(9) قوله تعالى { قد نرى تقلّب وجهك في السماء } (144)

أخرج الإمام البخاري عن البراء بن عازب قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس شتة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة , فأنزل الله عز وجل { قد نرى تقلّب وجهك في السماء } , فتوجه نحو الكعبة . وقال السفهاء من الناس و هم اليهود : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها : { قل لله المشرق و المغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } , فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل ثم خرج بعد ما صلّى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس . فقال : هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم و أنه توجه نحو الكعبة فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة .

والحديث أخرجه الترمذي و ابن ماجة و أحمد و الدارقطني و ابن سعد و ابن أبي حاتم كما في تفسير بن كثير .

وأخرج الإمام مسلم عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولي وجهك شطر المسجد الحرام } . فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر و قد صلّوا ركعة , فنادى ألا أن القبلة قد حولت فماول كما هم نحو القبلة .

( قلت : محمود .. قال بن حجر الفتح (1\735) ووقع بيان كيفية التحول في حديث ثويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم و قد ذكرت بعضه قريبا و قالت فيه " فتحول النساء مكان الرجال و الرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام " . قلت ( بن حجر ) : و تصويره أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد , لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس , و هو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف , و لما تحول الإمام تحول الرجال حتى صاروا خلفه و تحولت النساء حتى صرن خلف الرجال , و هذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة فيحتمل أن يكون وقع ذلك قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام , و يحتما أن يكون اغتفر العمل المذكور من أحل المصلحة المذكورة . أو لم تتوال الخطا عند التحويل بل وقعت مفرقة . و الله أعلم . ا.هـ )

(10) قوله تعالى { إن الصفا و المرو ة من شعائر الله } (158)

أخرج الإمام البخاري في صحيحه من طريق الزهري قال عروة : سألت عائشة رضي الله عنها فقلت لها : أرأيت قول الله تعالى { إن الصفا و المروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما } فوالله ما على أحد جناح أن يطوف بالصفا و المروة .

فقالت : بئس ما قلت يا بن أختي , إن هذه الآية لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه ألا يتطوف بهما , لكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها بالمشلل فكان من أهلّ يتحرج أن يطوف بالصفا و المروة فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك , قالوا : يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا و المروة .. فأنزل الله تعالى { إن الصفا و المروة من شعائر الله } الآية .

قالت عائشة رضي الله عنها : و قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما , فليس لأحد أن يترك الطواف بهما .
ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال : إن هذا العلم ما كنت سمعته و لقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس , إلا من ذكرت عائشة ممن كان يها بمناة , كانوا يطوفون كلهم بالصفا و المروة , فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت و لم يذكر الصفا و المروة في القرآن , قالوا : يا رسول الله كنا نطوف بالصفا و المروة و إن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا و المروة فهل علينا من حرج أن نطوف بين الصفا و المروة ؟ فأنزل الله تعالى { إن الصفا و المروة من شعائر الله } الآية .

قال أبو بكر : فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما : في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا و المروة , و الذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت و لم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت .

و الحديث أخرجه مسلم و الترمذي و أبو داواد و النسائي و أحمد و مالك في الموطأ و الحميدي .

و أخرج البخاري من طريق عاصم بن سليمان , قال : سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن الصفا و المروة , فقال : كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله تعالى { إن الصفا و المروة من شعائر الله ..} الآية

ولا مانع من أن الآية نزلت في الجميع .

( قلت .. محمود و سبب نزول الآية غير أصل العبادة .. قال بن كثير رحمه الله : و قد تقدم في حديث بن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر و تردادها بين الصفا و المروة متذذلة خائفة مضطرة فقيرة إلى الله عز وجل حتى كشف الله كربتها و آنس غربتها .. الخ كلامه رحمه الله فليراجعه من شاء )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ


(11) قوله تعالى { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } إلى قوله { و كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } (187)

أخرج الإمام البخاري عن البراء بن عازب قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته و يومه حتى يمسي , و إن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما فلما حضرالإفطار أتى امرأته فقال لها : أعندك طعم ؟ قالت : لا , و لكن انطلق فأطلب لك و كان يومه يعمل فغلبته عيناه , فقالت : خيبة لك , فلما انتصف النهار : غشى عليه , فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية { أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } ففرحوا بها فرحا شديدا . و نزلت { و كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } .

الحديث : أعاده الإمام البخاري في كتاب التفسير مع تغيير في بعض السند و فيه تصريح أبي اسحاق بالسماع , و لفظ متنه : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله , و كان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله تعالى { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم } الآية .
وظاهرهما التغاير , لكن لا مانع من أن تكون نزلت في هؤلاء و هؤلاء .

ورواه أبو داود و النسائي و قد جمع حديثيى البخاري فعلمنا أن القضيتين معا كانتا سبب النزول , و رواه أحمد و الدارمي .

(12) قوله تعالى { من الفجر } (187)

أخرج الإمام البخاري عن سهل بن سعد قال : أنزلت { و كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } و لم ينزل { من الفجر } فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض و الخيط الأسود و لم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما , فأنزل الله بعد { من الفجر } : فعلمنا أنهإنما يعني الليل و النهار .

و أخرجه مسلم أيضا .

(13) قوله تعالى { و أتوا البيوت من أبوابها } (189)

أخرج الإمام البخاري عن البراء قال : نزلت هذه الآية فينا : كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا و لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم و لكن من ظهورها فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه عيّر بذلك , فنزلت { و ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقى و أتوا البيوت من أبوابها } .

و أخرج الحاكم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كانت قريش يدعون الحمس و كانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام , و كانت الأنصار و سائر العرب لا يدخلون من الأبواب في الإحرام , فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بستان فخرج من بابه و خرج معه قطية بن عامر الأنصاري , فقالوا : يا رسول الله إن قطية بن عامر رجل فاجر إنه خرج معك من بابه ؟ فقال " ما حملك على ذلك " قال : رأيتك فعلت ففعلت كما فعلت , فقال " إني أحمسي " . قال : إن ديني دينك , فأنزل الله عز وجل { ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقى و أتوا البيوت من أبوابها } .

(14) قوله تعالى { و أنفقوا في سبيل الله } (195)

أخرج الإمام البخاري عن حذيفة : { و أنفقوا في سبيل الله و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } .. قال : نزلت في النفقة .

* و أخرج الترمذي عن أسلم أبي عمران التجيبي , قال : كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر . و على أهل مصر : عقبة بن عامر , و على الجماعة فضالة بن عبيد .. فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل عليهم , فصاح الناس و قالوا سبحان الله ! يلقي بيديه إلى التهلكة , فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يا أيها الناس إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل , و إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام و كثر ناصروه , فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أموالنا قد ضاعت و إن الله قد أعز الإسلام و كثر ناصروه فلم أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها , فأنزل الله تبارك و تعالى على نبيه صلى الله عليه و سلم يرد علينا ما قلنا { و أنفقوا في سبيل الله و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } .
فكانت التهلكة : الإقامة على الأموال و إصلاحها و ترك الغزو , فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم .

* و أخرج الطبراني في الكبير عن أبي جبيرة بن الضحاك , قال : كان الأنصار يتصدقون و يعطون ما شاء الله فأصابتهم سنة فأمسكوا فأنزل الله : { و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }

هذا حديث صحيح إن ثبتت صحبة أبي جبيرة , و سيأتي الكلام عليه في (سورة الحجرات) إن شاء الله .

* و عن النعمان بن بشير في قوله { و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال : كان الرجل يذنب فيقول : لا يغفر الله لي فأنزل الله تعالى : { و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و أحسنوا إن الله يحب المحسنين } .

رواه الطبراني في الكبير و الأوسط و رجالهما رجال الصحيح .ا.هـ.

* و في الفتح من حديث البراء نحوه , قال الحافظ ( 9\251) : و سنده صحيح , ثم قال : و الأول أظهر ( أي حديث حذيفة السابق) لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد في نزولها ا.هـ.

وأقول : لا داعي لإلغاء الروايتين : أعني : رواية البراء و النعمان مع صحتهما , فالآية : تشمل من ترك الجهاد و بخل , و تشمل من أذنب و ظن أن الله لا يغفر له و لا مانع من أن تكون الآية نزلت في الجميع . و الله أعلم .

(15) قوله تعالى { و أتموا الحج و العمرة لله } (196)

قال الطبراني كما في ( مجمع البحرين من زوائد المعجمين ) (مخطوط) :
حدثنا أحمد حدثنا محمد بن سابق , ثنا ابراهيم بن طهمان , عن أبي الزبير . عن عطاء بن رباح , عن صفوان بن يعلي بن أمية , عن أبيه قال : جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و قال : كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي ؟ فأنزل الله عز وجل { و أتموا الحج و العمرة لله } , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من السائل عن العمرة " , فقال : أنا , فقال " ألق ثيابك و اغتسل و استنشق ما استطعت و ما كنت صانعا في حجتك فاصنع في عمرتك " .
قلت : هذا في الصحيح سوى قوله { و أتموا الحج و العمرة } ا.هـ .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(16) قوله تعالى { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } (196)

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى : أن كعب بن عجرة حدثه , قال : وقفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية و رأسي يتهافت قملا , فقال " يؤذيك هوامك ؟" قلت : نعم , قال " فاحلق رأسك – أو قال – احلق " قال : في نزلت هذه الآية { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه } .. إلى أخرها .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق بين ستة أو انسك بما تيسر } .

( قلت محمود ) و أذكر الرواية الأخرى للبخاري إتماما للفائدة من كتاب التفسير و فيها قال كعب : حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم و القمل يتناثر على وجهي فقال " ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا , أما تجد شاة ؟ " قلت : لا , قال " صم ثلاثة أيام , أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام , و احلق رأسك " فنزلت في خاصة و هي لكم عامة .
وقال بن حجر .. قال عياض : ظاهره أن النزول بعد الحكم . و في رواية عبد الله بن معقل أن النزول قبل الحكم ( أي أن هناك حديث يشير إلى أن نزول الآية كان قبل حكم الرسول فيها لكعب , و حديث آخر يشير إلى العكس ) . قال (عياض ) : فيحتمل أن يكون حكم عليه بالكفارة بوحي لا يتلى ثم نزل القرآن ببيان ذلك . قلت ( الحافظ بن حجر ) و هو يؤيد الجمع المتقدم .

(17) قوله تعالى { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } (197).

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن بن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون و لا ينزودون و يقولون : نحن المتوكلون فإذا قدموا المدينة سألوا الناس فأنزل الله تعالى { و تزوّدوا فإن خير الزاد التقوى } و رواه بن عيينة عن عمرو عن عكرمة مرسلا .

(قلت : محمود) ولأهل العلم في تفسير تلك الآية عدة أقوال .. منها ما ذكره القاسمي : أن قوله تعالى { و تزودوا } أمر باتخاذ الزاد : وهو طعام السفر , و قوله : { فإن خير الزاد التقوى } إرشاد إلى زاد الآخرة , و هو استصحاب التقوى إليها بعد الأمر بالزاد للسفر في الدنيا كما قال تعالى { وريشا و لباس التقوى ذلك خير } (الأعراف 26) لما ذكر اللباس الحسي نبه مرشدا إلى اللباس المعنوي و هو الخشوع و الطاعة , وذكر أنه خير من هذا و أنفع .
(قلت محمود ) و لا يعني ذلك التخلي عن السبب المعنوي ألا وهو التزود بالطعام و الراحلة استدلالا على ذلك بلفظة ( خير ) و إنما المعنى أنه أحسن من الدنيا الآخرة .. و تزود إلى جانب الدنيا بالآخرة , هي أنفع و أبقى .. و الله تعالى أعلم .

(18) قوله تعالى { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } (198)

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن بن عباس رضي الله عنهما قال : كانت عكاظ و مجنة و ذو المجاز أسواقا في الجاهلية , فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة , فأنزل الله تعالى { ليس عليكم جناح } في مواسم الحج .. قرأ بن عباس كذا .

( قلت : محمود .. قال بن حجر في الفتح (4\456) قال ابن بطال : أن مواضع المعاصي و أفعال الجاهلية لا تمنع من الطاعة فيها .ا.هـ .. قلت (محمود) و قول بن عباس رضي الله عنهما في آخر الحديث (في مواسم الحج) هو تفسير للآية .. و لكن قال الحافظ بن حجر تعليقا على أن ذلك ليس بتفسير ( 3\ 855) ورواه بن عمر في مسنده عن بن عيينة و قال في آخره : و كذلك كان بن عباس يقرأها , وروى الطبري بسند صحيح عن أيوب عن عكرمة أنه كان يقرأها كذلك ( أي بن عباس ) , فهي على هذا من القراءة الشاذة , و حكمها عند الأئمة حكم التفسير , واستدل بهذا الحديث على جواز البيع و الشراء للمعتكف قياسا على الحج , و الجامع بينهما العبادة , وهو قول الجمهور . وعن مالك كراهة ما زاد على الحاجة كالخبز إذا لم يجد من يكفيه , وكذا كرهه عطاء و الزهري وجاهد , و لا ريب أنه خلاف الأولى , و الآية نفت الجناح و لا يلزم من نفيه نفي أولوية مقابلة , و الله أعلم . ا.هـ.)
( قلت .. محمود , إذا يجوز البيع و الشراء في الحج و على هذا جماهير العلماء .. لكن قال بعض العلماء : إن تفرغ الحاج للحج و أعماله أفضل من الاشتغال بالتجارة , وغاية ما في قوله تعالى { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } رفع الإثم و الحرج عن من تاجر و اكتسب و الله تعالى أعلم . ( التسهيل في تأويل التنزيل .. سورة البقرة لشيخنا مصطفى العدوي )

* و أخرج أبو داود رحمه الله , قال : حدثنا مسدد , نا عبد الواحد بن زياد , نا علاء بن المسيب , نا أبو أمامة التيمي , قال : كنت رجلا أكري في هذا الوجه و كان ناسا يقولون إنه ليس لك حج .. فلقيت بن عمر فقلت : يا أبا عبد الرحمن إني رجل أكري في هذا الوجه و إن ناسا يقولون إنه ليس لك حج ؟ فقال بن عمر : أليس تحرم و تلبي و تطوف بالبيت و تفيض من عرفات و ترمي الجمار ؟ قال : قلت : بلى , قال : فإن لك حجا . جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن مثل ما سألتني عنه , فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم و لم يجبه حتى نزلت هذه الآية { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم و قرأ عليه هذه الآية , وقال " لك حج " .

(19) قوله تعالى { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } (199)

* أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير قال : كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحمس , و الحمس قريش و ما ولدت , وكانت الحمس يحتسبون على الناس يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها و تعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها فمن لم يعطه الحمس طاف عريانا , و كان يفيض جماعة الناس من عرفات و يفيض الحمس من جمع . قال : و أخبرني أبي عن عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في الحمس { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } قال : كانوا يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات .

قلت (محمود) و لأهل العلم في تفسير هذه الآية قولان .. الأول .. هو الحديث السابق و هو قول أكثر أهل العلم .. لأن قريش و أبنائها كانت لا تتجاوز المشعر الحرام ( مزدلفة) و لا يصلون إلى عرفات .. فكأن معنى الآية : ثم أنتم أيضا يا معشر قريش سيروا مع الناس إلى عرفات و أفيضوا من عرفات كسائر الناس .

و القول الثاني : أنه خطاب لجميع الحجيج { ثم أفيضوا } , و المراد بالناس إبراهيم عليه الصلاة و السلام , و إن تسائل سائل كيف يقول {الناس} و إبراهيم عليه السلام فرد .. و الجواب أن هذا في لغة العرب و في القرآن كثير كقوله تعالى { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم } و الذي قال ذلك واحد . وكذلك قوله تعالى { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات و اعملوا صالحا } .. و نظائر ذلك في كلام العرب كثير . انظر ( تفسير الطبري , و التسهيل في تأويل التنزيل لشيخنا مصطفى العدوي ) .

* و كذلك أخرج البخاري رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها : كانت قريش و من دان دينها يقفون بالمزدلفة و كانوا يسمون الحمس , و كان سائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله تعالى { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } .

(20) قوله تعالى { و من الناس من يشري نفسه إبتغاء مرضات الله } (207)

أخرج الحاكم في مستدركه .. من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال : لما خرج صهيب مهاجرا تبعه أهل مكة , فنثل كنانته , فأخرج منها أربعين سهما فقال : لا تصلون إلي حتى أضع في كل رجل منكم سهما ثم أصير بعده إلى السيف فتعلمون أني رجل و قد خلفت بمكة قينتين فهما لكم . ( قلت محمود الحديث إلى هنا مرسل و لكن يشهد له القدر الذي بعده ( انظر التسهيل في تأويل التنزيل ج3 ص258 سورة البقرة))

قال (سليمان بن حرب): و حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس : نحوه , و نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { و من الناس من يشر ي نفسه ابتغاء مرضات الله } . فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال " أبا يحى : ربح البيع " , قال : و تلا عليه الآية .

قلت (محمود) القانية هي الجارية التي تحسن الغناء .. و هذه الآية هي في كل مجاهد في سبيل الله كما هو قول الأكثر من أهل العلم .كما قال تعالى { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون و يقتلون وعدا عليه حقا في التوراة و الإنجيل و القرآن و من أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم و ذلك هو الفوز العظيم } (برآءة 111).

الآيات القادمة إن شاء الله : البقرة ( 219 , 222, 223 , 232, 238)



(21) قوله تعالى { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } البقرة 222

* أخرج الإمام مسلم من حديث أنس : أن اليهود كانت إذا حاضت فيهم المرأة : لم يواكلوها و لم يجامعوهن في البيوت , فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله تعالى : { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " , فبلغ ذلك اليهود , فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه , فجاء أسيد بن حضير و عباد بن بشر فقالا : يا رسول الله إن اليهود تقول كذا و كذا , فلا نجامعهن . فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما " .

قلت (محمود) فيه من الأدب أن أمر رسول الله لا ينبغي أن يراجع إذا كان الأمر واضحا لا غموض فيه ! فمن المفروض من المسلم إذا سمع الأمر أو النهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جاءه حديث صحيح مثلا أن من السنة أن يفعل الإنسان كذا و كذا ... وجب عليه التزام الأمر دون مراجعة أبدا .
ولا يسأل عنه أناس غير مؤهلين .. إلا إذا كانت المسألة تحتاج إلى تبيين فقهي أو لغوي أو شيء من ذلك القبيل فيسأل عنها أهل العلم المنخصصون , والله أعلم !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

(22) قوله تعالى { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم } البقرة 223

* أخرج الإمام البخاري عن جابر بن عبد الله قال : كانت اليهود تقول إذا جامعها من دبرها في قبلها كان الولد أحول , فنزلت : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم } ..

قال الشيخ مقبل رحمه الله : ورواية مسلم لهذا الحديث فيه زيادة ضعيفة وهي " إن شاء مجيبة و إن شاء غير مجيبة غير أن ذلك في صمام واحد " .. وقال الحافظ في الفتح : وهذه الزيادة يشبه أن تكون من تفسير الزهري , لخلوها من رواية غيره من أصحاب ابن المنكدر مع كثرتهم .اهـ.
وأقول (مقبل) : معناها مستفاد من أدلة أخرى كما في الفتح .

قلت (محمود)
وجاء عن بن عمر أن الآية نزلت في اتيان النساء في أدبارهن كما أخرج البخاري ( 4526) عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه فأخذت عليه يوما فقرأ سورة البقرة حتى أنتهى إلى مكان قال : تدري فيم أنزلت ؟ قلت لا .. قال أنزلت في كذا و كذا ثم مضى .

وفسرتها رواية الطبري أن هذا المكان الذي وقف عنده هو آية { نساؤكم حرث لكم } و أن بن عمر قال : نزلت في اتيان النساء في أدبارهن !

قال الشيخ مقبل رحمه الله : وأما ما جاء عن بن عمر أنها نزلت في اتيان النساء في أدبارهن كما في البخاري الإشارة إليه فقد ردّه العلماء و على رأسهم حبر الأمة كما في الفتح !

وقال العلامة الشوكاني رحمه الله بعد ذكر القائلين بالجواز ( أي باتيان النساء في ادبارهن ) :

وليس في أقوال هؤلاء حجة البتة , ولا يجوز لأحد أن يعمل على أقوالهم , فإنهم لم يأتوا بدليل على الجواز , فمن زعم منهم أنه فهم ذلك من الآية فقد أخطأ في فهمه كائنا من كان .... إلى أن قال : بل الذي تدل عليه الآية أن ذلك حرام ..الخ كلامه رحمه الله .

قلت (محمود) وما جاء عن بن عمر في جواز اتيان المرأة من دبرها مردود إلى المحكم و إلى قول جماهير أهل العلم بتحريم ذلك و أن بن عمر نفسه قال بالمنع :

قال الشيخ مقبل رحمه الله – نقلا عن الحافظ بن كثير - : فبعد أن ذكر قول بن عمر في سبب نزول الآية , قال (بن كثير ) : وهذا محمول على ما تقدّم وهو أنه يأتيه في قبلها من دبرها , لما رواه النسائي , عن علي بن عثمان النفيلي , عن سعيد عن عيسى عن الفضل بن فضالة عن عبد الله بن سليمان الطويل عن كعب بن علقمة عن أبي النضر بن فضالة , أنه أخبره أنه قال لنافع مولى بن عمر : إنه د كثر عليك القول أنك تقول عن بن عمر إنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن , قال : كذبوا علي , ولكن سأحدثك كيف كان الأمر : إن بن عمر عرض المصحف يوما و أنا عنده حتى بلغ { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } فقال : يا نافع هل تعلم من أمر هذه الآية ؟ قلت : لا .. قال : إنا كنا معشر قريش نجبي النساء ( أي نجامعهن منكبات على وجوههن ) فلما دخلنا المدينة و نكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل ما كنا نريد , فآذاهن فكرهن ذلك و أعظمنه , وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن , فأنزل الله تعالى { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } .

قال الشيخ مقبل : وهذا اسناد صحيح ثم ساق جملة من الأحاديث الدالة على تحريم اتيان النساء في أدبارهن , وبعدها قال (أي بن كثير ) و قد تقدم قول بن عباس و أبي الدرداء و أبو هريرة و بن مسعود و عبد الله بن عمرو في تحريم ذلك , وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه يحرمه .

ثم قال الشيخ مقبل رحمه الله :

قال أبو محمد بن عبد الرحمن الدارمي في مسنده :

حدثنا عبد الله بن صالح , حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب , عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجواري أيحمض لهن ؟ قال : وما التحميض فذكر الدبر فقال (بن عمر ) : وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين ؟

وكذا رواه بن وهب و قتيبة عن الليث به ,

وهذا اسناد صحيح , ونص صريح منه بتحريم ذلك , فكل ما ورد عنه مما يحتما فهو مردود إلى هذا المحكم ؟

قلت (محمود ) وكل الأحاديث الواردة في النهي عن إتيان النساء في أدبارهن لا تخلو من مقال فيها ضعف إلا أنها بمجموعها ترتقي للعمل بها .. ولو صحذ منها شيء لكان فصلا في المسألة !
وقال بن الفراء في معاني القرآن كلام بديع في قوله { فأتوهن من حيث أمركم الله } .. قال :

ولم يقل " في حيث " , وهو الفرج , وإنما قال من حيث كما تقول للرجل : ايت زيد من مأتاه , أي من الوجه الذي يؤتى منه , فلو ظهر الفرج و لم يكن عنه قلت في الكلام : ايت المرأة في فرجها . ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) يقال : ايت الفرج من حيث شئت .اهـ
ومعنى كلامه ( أن الفرج إذا ذكر صراحة في الآية صحّ استخدام حرف الجر ( في ) , وإذا لم يصرح به ذكر حرف الجر ( من ) .

أنّى شئتم .. أي كيف شئتم !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ

(23) قوله تعالى { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزاوجهنّ إذا تراضوا بينهم بالمعروف } البقرة 232

تعضلوهن : أي تضيقوا عليهنّ أن يرجعن لأزواجهن بمهر جديد و عقد جديد إذا بانت منه مثلا !

* أخرج الإمام البخاري عن الحسن : أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فتركها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل فنزلت الآية { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } .

قلت (محمود ) وجاء في رواية أخرى عند البخاري أيضا : أن معقل قال للرجل , وكان لا بأس به , زوجتك و أفرشتك و أكرمتك , فطلقتها ثم جئت تخطبها لا والله لا تعود إليك أبدا , وكانت المرأة تريد أن تعود إليه , فأنزل الله هذه الآية { ولا تعضلوهن } , فقلت الآن أفعل يا رسول الله .

قلت (محمود ) في الأية دلالة على أن الولاية في النكاح تكون حتى للثيب , كما في الحديث أيضا , لأن أخت معقل طلقت , فأصبحت ثيبا , ثم نزلت الآية و الخطاب فيها للولي .. وليس للثيبات { فلا تعضلوهن ّ} فالنهي هنا وجّه للولي لا للمرأة الثيب , فدل على أن الولاية في النكاح واجبة حتى للثيب , وأمّا ما يعرف الآن بالنكاح العرفي بلا ولي .. فهذا زنى ولا شك لقوله صلى الله عليه وسلم أيضا " لا نكاح إلا بولي " !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

(24) قوله تعالى { حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } البقرة 238

* أخرج الإمام أحمد عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت , قال :

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة و لم يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها قال : فنزلت { حافظورا على الصلوات و الصلاة الوسطى و قوموا لله قانتين } . وقال : إن قبلها صلاتين و بعدها صلاتين .
وفي رواية لأحمد أيضا زاد فيها ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهجير فللا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان و الناس في قائلتهم و في تجارتهم فنزلت ) اهـ.

وأخرجه الطبراني في الكبير من طريق عثمان بن عثمان الغطفاني . قال الشيخ : والمعتمد في الصلاة الوسطى أنها صلاة العصر كما في الصحيحين .

قلت (محمود) فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر شغله الكفار عن صلاة العصر حتى ذهب وقتها فقال " ملأ الله بيوتهم و قبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى " .. وهذا صريح أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(25) قوله تعالى { وقوموا لله قانتين } (238)

أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته حتى نزلت هذه الآية { حافظوا على الصوات و الصلاة الوسطى و قوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت .

وفي مجمع الزوائد من حديث بن عباس في قوله تعالى {وقوموا لله قانتين } قال :
كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا عن الكلام .. رواه الطبراني و رجاله رجال الصحيح .

تنبيه :

قال الحافظ بن كثير في تفسيره :

وقد أشكل هذا الحديث على جماعة من العلماء , حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلى المدينة و بعد الهجرة إلى أرض الحبشة , كما دل على ذلك حديث بن مسعود الذي في الصحيح قال : كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم , قبل أن نهاجر إلى الحبشة , وهو في الصلاة فيرد علينا , قال فلما قدمنا فسلمت عليه فلم يرد علي , فأخذني ما قرب و ما بعد , فلما سلم قال " إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة , و إن الله يحدث من أمره ما يشاء , وإن مما أحدث : ألا تتكلموا في الصلاة "

وقد كان بن مسعود ممن أسلم قديما و هاجر إلى الحبشة ثم قدم منها إلى مكة مع من قدم فهاجر إلى المدينة , وهذه الآية {وقوموا لله قانتين } مدنية بلا خلاف .

فقال قائلون : إنما أراد زيد بن أرقم بقوله ( كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة ) الإخبار عن جنس الكلام , واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية , بحسب ما فهمه منها و الله أعلم .
وقال قوم : إنما أراد أن ذلك وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها , ويكون ذلك قد أبيح مرتين و حرم مرتين . كما اختار ذلك قوم من أصحابنا و غيرهم .
والأول أظهر و الله أعلم .

أقول (الكلام للشيخ مقبل) : الذي يظهر لي و الله أعلم , أن الكلام حرّم بمكة بالسنة المطهرة , كما في حديث بن مسعود , فلما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة صار بعضهم ممن لم يبلغه التحريم يتكلم في الصلاة كما حصل من معاوية بن الحكم السلمي , فنزلت الآية . والله أعلم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

(26) قوله تعالى { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } (256)

أخرج بن جرير في تفسيره عن بن عباس رضي الله عنهما قال " كانت المرأة تكون مقلاتا ( أي لا يعيش لها ولد ) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده , فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار , فقالوا : لا ندع أبناءنا فأنزل الله تعالى ذكره { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } .

الحديث رجاله رجال الصحيح , وأخرجه أبو داود و عزاه السيوطي في اللباب للنسائي أيضا , وأخرج بن حبان في صحيحه .

قلت (محمود) وهذه الآية قال بعض أهل العلم بنسخها و أنها نسخت بآيات القتال و السيف مثل قوله تعالى { يا أيها النبي جاهد الكفار المنافقين و اغلظ عليهم } , وقال البعض الآخر أنها ليست منسوخة بل هي محكمة إلى يوم الدين .

قال بن كثير في تفسيره " وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَة كَثِيرَة مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّ هَذِهِ مَحْمُولَة عَلَى أَهْل الْكِتَاب وَمَنْ دَخَلَ فِي دِينهمْ قَبْل النَّسْخ وَالتَّبْدِيل إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَة وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَةِ الْقِتَال وَأَنَّهُ يَجِب أَنْ يُدْعَى جَمِيع الْأُمَم إِلَى الدُّخُول فِي الدِّين الْحَنِيف دِين الْإِسْلَام فَإِنْ أَبَى أَحَد مِنْهُمْ الدُّخُول وَلَمْ يَنْقَدْ لَهُ أَوْ يَبْذُل الْجِزْيَة قُوتِلَ حَتَّى يُقْتَل وَهَذَا مَعْنَى لَا إِكْرَاه قَالَ اللَّه تَعَالَى" سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْس شَدِيد تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ " وَقَالَ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ " وَقَالَ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّار وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ" وَفِي الصَّحِيح عَجِبَ رَبُّك مِنْ قَوْم يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّة فِي السَّلَاسِل يَعْنِي الْأُسَارَى الَّذِينَ يُقْدَم بِهِمْ بِلَاد الْإِسْلَام فِي الْوَثَائِق وَالْأَغْلَال وَالْقُيُود وَالْأَكْبَال ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ يُسْلِمُونَ وَتَصْلُح أَعْمَالهمْ وَسَرَائِرهمْ فَيَكُونُوا مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ حُمَيْد عَنْ أَنَس أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ أَسْلِمْ قَالَ إِنِّي أَجِدُنِي كَارِهًا قَالَ وَإِنْ كُنْت كَارِهًا فَإِنَّهُ ثُلَاثِيّ صَحِيح وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل فَإِنَّهُ لَمْ يُكْرِههُ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْإِسْلَام بَلْ دَعَاهُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ نَفْسه لَيْسَتْ قَابِلَة لَهُ بَلْ هِيَ كَارِهَة فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ وَإِنْ كُنْت كَارِهًا فَإِنَّ اللَّه سَيَرْزُقُك حُسْن النِّيَّة وَالْإِخْلَاص."ا.هـ

وقال أبو عبيد في الناسخ و المنسوخ في القرآن " وهذا وجه هذه الآية ان شاء الله أن تكون في أهل الذمة لأدائهم الجزية أو يكونوا مماليك فأما أهل الحرب فلا يكون لهم " ا.هـ.

قلت (محمود) و المعنى أن آية {لا إكراه في الدين } خاصة بأهل الكتاب فقط دون غيرهم من سائرالملل .. وقد خالف بعض أهل العلم ذلك وقال , بل إنها في كل أحد طالما بلغته دعوة الإسلام , والدعوة قبل الجهاد , و لا يقاتل إلا إذا صدّ عن الدعوة من قبل الملوك و أبوها !
واستدلوا على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أرسل مصعب بن عمير ليدعو في المدينة قبل أن يهاجر و لم يقاتل !
و الله أعلم !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ


(27)
قوله تعالى { يا أيها الذن آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } إلى قوله تعالى { و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون و لستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } (267)

أخرج الإمام الترمذي من حديث البراء بن عازب , قال : نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل , فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته أو قلته , وكان الرجل يأتي بالقنو و القنوين يعلقه في المسجد , و كان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاء أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر و التمر فيأكل , وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص و الحشف و بالقنو قد انكسر فيعلقه , فأنزل الله تبارك و تعالى { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم و مما أخرجنا لكم من الأرض و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون و لستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } .
قال (يعني النبي صلى الله عليه وسلم ) " لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء " قال : فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ


(28) قوله تعالى { ليس عليك هداهم و لكنّ الله يهدي من يشاء } (272)

أخرج بن جرير رحمه الله , عن بن عباس قال : كانوا لا يرضخون لقرابتهم من المشركين فنزلت { ليس عليك هداهم و لكن الله يهدي من يشاء } .

قلت : محمود ( أي كانوا لا يتصدقون إلا على أهل الإسلام أما أهل الشرك و لو كانوا ذوي قربى فلا , فنزل قوله تعالى { ليس عليك هداهم و لكنّ الله يهدي من يشاء و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم و ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله , و ما تنفقوا من خير يوفّ إليكم و أنتم لا تظلمون } .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

(29) قوله تعالى { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } إلى آخر السورة .

أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم { لله ما في السماوات و ما في الأرض و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر من يشاء و يعذّب من يشاء و الله على كل شيء قدير }

قال : فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم , فأتوا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقالوا : أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة و الصيام و الجهاد و الصدقة .. و قد أنزلت عليك هذه الآية و لا نطيقها .
فقال عليه الصلاة و السلام " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا و عصينا ؟! بل قولوا سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير "
قالوا : سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير , فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم , فأنزل الله في أثرها { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه و المؤمنون ..} الآية , فلما فعلون ذلك : نسخها الله تعالى , فأنزل { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } قال : نعم , { ربنا و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } قال : نعم , { ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال : نعم , { و اعف عنا و اغفر لنا و ارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين }

وأخرج مسلم بنحوه أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما .


آخر سورة البقرة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ