* قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (فإنَّ للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو من ظالم بل من كافر فإن الله تعالى يدفعُ بها عنهُ أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهلُ الأرض كلُّهم مقرُّون به لأنَّهم جرَّبوه).
* وقال رحمه الله تعالى في أسباب شرح الصدر: (ومنها الإحسانُ إلى الخلق ونفعُهم بما يمكنه من المال والجاه والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرحُ الناس صدرًا وأطيبهم نفسًا وأنعمُهم قلبًا، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيقُ الناس صدرًا وأنكدهم عيشًا وأعظمُهم همًا وغمًا..).
* وقال رحمه الله تعالى: (... بل ها هنا من الأدوية التي تشْفي من الأمراض ما لمْ يهتد إليها عقولُ أكابر الأطباء، ولم تصل إليها عُلومُهم وتجاربهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية وقوة القلب واعتماده على الله تعالى والتوكل عليه والالتجاء إليه والانطراح والانكسار بين يديه والتذلَّل له الصدقة والدعاء والتوبة والاستغفار والإحسان إلى الخلق وإغاثة الملهوف والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جرَّبْتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء ولا تجربته ولا قياسه، وقد جرَّبنا نحن وغيرنا من هذا أمورًا كثيرةً ورأيناها تفعلُ ما لا تفعل الأدوية الحسية...).
* وقال رحمه الله تعالى: (كان r أعظم الناس صدقةً بما ملكت يدهُ، وكان لا يستكثر شيئًا أعطاه لله تعالى ولا يستقلُّه، وكان لا يسألُه أحدٌ شيئًا عنده إلا أعطاه قليلاً كان أو كثيرًا، وكان عطاؤه عطاء مَنْ لا يخافُ الفقر، وكان العطاءُ والصدقةُ أحبَّ شيء إليه وكان سرورُه وفرحُه بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير يمينه كالرِّيح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارةً بطعامه وتارةً بلباسه، وكان ينوِّع في أصناف عطائه وصدقته فتارةً بالهبة وتارةً بالصدقة وتارة بالهدية وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعًا كما فعل ببعير جابر، وتارةً كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه وأفضل وأكبر، ويشتري الشي فيعطي أكثر من ثمنه، ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها تلطُّفا وتنوُّعا في ضروب الصدقة والإحسان بكلِّ ممكن، وكانت صدقُته وإحسانُه بما يملكه وبحاله وبقوله فيُخرجُ ما عنده ويأمر بالصدقة ويحضُّ عليها ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيلُ الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء وكان مَنْ خالَطَهُ وصحبَه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة والندى، وكان هديه r يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف ولذلك كان r أشرحَ الخلق صدرًا وأطيبَهم نفسًا وأنعمهم قلبًا، فإن للصدقة وفعل المعروف تأثيرًا عجيبًا في شرح الصدر، وانضاف ذلك إلى ما خَصَّه الله به من شرح صدره بالنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها وشرح صدره حسًا وإخراج حظِّ الشيطان منه)().
قال الأصمعي: حدثنا هشام بن سعد صاحب المحمل: عن أبيه قال: قال حكيم بن حزام: (ما أصبحتُ وليس ببابي صاحبُ حاجة، إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها)().
عن الحسن قال: رأى الأحنف في يَد رجل درهما فقال: لمن هذا؟ قال: لي قَال: ليسَ هو لك حتى تخرجه في أجر أو اكتساب شكر وتمثل: أنت للمال إذا أمسكته وإذا أنفقته فالمال لك ).
قال الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله تعالى عن الصدقة والتصدق: (فلا يقتصرُ على المال وما يقوَّمُ بالمال بل يشمل كل عملٍ صالح؛ من طيب الكلمة وبشاشة الوجه وإعانة الرجل على دابته ومعاونته على حمل متاعه عليها، وإنظار المعسر صدقة والتخفيف عنه، بل قد تكون العبادة لله تعالى صدقة يتصدق بها العبدُ على أخيه المسلم كالذي جاء والناسُ قد صلوا العصر فقال r: «من يتصدق على هذا فيصلِّي معه؟» أي: من يعيدُ الصلاة معه فتصدَّق عليه أبو بكر t، فمن أحكامها الآتي:
1- أن تكون طيبةً ومن كسب طيبٍ، ولعل أوَّل أثرِ من آثار هذا النوع أنه يعوِّد الإنسان كسبَ الحلال وأكله. ومن البديهي أن الإنسان لا يقرِّب إلى الله شيئًا يبتغي مرضاته إلا إذا كان هذا الشيء طيبًا عند الله تعالى وإلا لكان بتقديمه غير الطيب جالبًا على نفسه سخط الله تعالى والله غنيٌّ عن ذلك وعن غيره.
2- أن تكون الصدقة عن ظهر غنى؛ لأنه لا ينبغي للإنسان أن يتصدق بما تطلَّعُ إليه نفسه ويحتاجُه حتى لا يوقع الملامة في نفسه، والغنى قسمان:
أ- غنى مادِّيٌ: بأن يكون مستغنيًا بفضل ماله عما تصَدق به هو ومن يعول ولوازم حياته، وهذا القدر لعوام الناس وقد يشاركهم فيه الحيوانات، لأن الحيوان لا يمنع طعامه إذا شبع أما في حالة الجوع فإنه يدفع من شاركه طعامه حتى الحيوانات الأليفة من بهيمة الأنعام.
ب- غنى معنوى: وهو غنى النَّفس ولو كان طاويًا، وهذا النوع لخواص الناس. كما امتدح الله تعالى الأنصار بالإيثار على النفس.
وبما أن هذا القسم لا إلزام فيه ولا حدَّ وإنما هو متروك لقوة صلة العبد بالله تعالى ورجائه لفضل الله فإن أفضل أنواعه ما كان أقرب إلى النفس وأحبَّها إليها. كما جاءَ في أفضل الصدقة عند الله تعالى قال r: «أنفسُها عندَ أهلها» وقد جاء عن عمر t أنه أهدى جملاً في أنفه حلقة فضةٍ من أكرم أنواع الإبل كان قد أعطي فيه ثمانين بعيرًا. ولما سئل عن ذلك وقيل له: كان يكفيك غيره قال: أردتُّ إغاظة المشركين. وفي هذه الحالة تكون الصدقة أعلى منزلة وأعظم قدرًا وأبلغ أثرًا في النفس، وأقوى دلالة على صدقه مع الله تعالى. يعتبر فضل الصدقة بالكيفية والصورة التي تقع بها من سماحة النفس ورغبة الإحسان لا بالكثرة والمظهر. وقد يدرك العبدُ بالنية الصَّالحة ما يحصُل للمتصدق بالمال الكثير، كما جاء في حديث أبي كبشة الأنماري t أنه سمع النبي r يقول: «ثلاثٌ أقسم عليهنَّ...» إلى أن قال: «وأحدِّثكم حديثًا فاحفظوهُ. قال: إنما الدنيا لأربع نَفَر: عبد رزقه الله مالاً وعلمًا فهو يتقي فيه ربَّه، ويصل فيه رحمه، ويعلم أنَّ لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته، فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم ولا يتَّقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقًا فهو بأخبث المنازل، وعبد لم يعطه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول: لو أنَّ لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيَّته، فوزرهما سواء» فقد أدرك صاحب النية الحسنة من الفضل والمنزلة مثل ما أدركَهُ صاحب المال الذي يعرف حق الله تعالى فيه ويصلُ به رحمه.
وأما مصارف الصدقة: فلَيْسَ لمصرفها من حدود ولا تعين؛ فيجوز صرفها في مصارف الزكاة؛ لأنها تطوُّع وحيث وضعتها صادفت محلاً. وتزيد مصارفها عن مصارف الزكاة فتشمل جميع أنواع أبواب الخير التي لم تذكرْ في مصارف الزكاة؛ من صلة الرحم والتَّوسعة على الأيتام والأرامل والمعوزين وبناء المساجد والمدارس والمستشفيات والقناطر والصَّدقات الجارية من سقي الماء وتوريث مصحف وغرس نخل وبناء مسكنٍ لمنقطعين وما لا يمكن حصرهُ من هذا القبيل.
وأما آثارها: فإن أثَرها يشملُ الغني والفقير فتكون متجددة الأثر في نفوس الأغنياء بالطهر والتزكية قال تعالى: }خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا{ [التوبة: 103].
هذا النص القرآني الشامل للفرض والنفل – وهو في الفرض أسبق للتكليف بالأخذ – يشير إلى ألأثر العظيم النفسي والماليِّ، ففي النفس تطهيرُها من الجانبين؛ جانب الغني المنفق عَنْ أدران الشحِّ ورذيلة البُخل ووصمة القسوة وانعدام العاطفة والكتاب البَذْل والكرم واللين والعطف على المحتاجين والتعاطُف مع المجتمع بجميع طبقاته. وجانب الأخذ من غريزة الحق ونار الحسد وما يترتب على ذلك، وتزكية المال بالنماء والزيادة، فهي عامل مشترك تطهر النفس والمال من كل رذيلة، وتزكي النفس والمال بكل فضيلة).