+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: هذه دعوة جماعة الدعوة والتبليغ

  1. #1
    مبلغ الدين داعي

    هذه دعوة جماعة الدعوة والتبليغ

    هذه دعوتنا


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين
    والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    وبعد: فإنه قد وقع بين يديّ تعريف بجماعة التبليغ والدعوة على موقع الإنترنت
    المسمّى الفتوى بين يديك نداء الإيمان (Aliman.Com) تحت رقم 1185 بتاريخ 7/2/2002, وفيه أن أحد الاخوة قد سأل عن جماعة التبليغ: نشأتها, أهدافها, منهجها, تواجدها, أثرها, المميزات والعيوب.
    وقد استقى القائمون على الموقع الجواب من
    ) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة) وفي ملحق الكتاب صورة من هذا الجواب.
    ولقد أجاد وأفاد في تفهيم هذا العمل مشكوراً, غير أنه لم يُعط الموضوع حقه في
    كثير من الأمور منها:

    ‌أ- الشخصيات الدعوية (مؤسسوا الدعوة ومشايخها الكبار).
    ‌ب- لقاءات علماء الدعوة مع علماء نجد والحجاز.
    ‌ج- أعمال الدعوة وموضوع
    إزالة المنكرات.
    ‌د- موضوع المذاهب الفقهية.

    هـ - ما أسماه التأثير العاطفي.

    ‌و- السياسة والسياسة الشرعية.

    ‌ز- تأثير الصوفية عليهم.

    ‌ح- تأثرهم
    بجماعة النور في تركيا.
    ‌ط- انتشار الدعوة في العالم كله, وليس في الدول
    المذكورة فقط.
    ‌ي- مأخذ عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


    وبعد
    الإطلاع على هذه السيرة المختصرة, وما كتب في هذه الموسوعة في الفتوى المرفقة, فقد بات لِزَاماً عليّ أن أُبين بعض ما ذكر بشيء من التفصيل حيث أنني أنتمي إلى هذه المدرسة الدعوية التبليغية, وحيث أنني أخرج مع هذه الجماعة منذ أكثر من عشرين عاماً. وأحب هذا العمل خاصة بعد البحث والتمحيص في أصول هذا العمل وموافقته جملة وتفصيلاً للكتاب والسنة, حيث ليس فيه أي عمل ليس عليه دليل من كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليهوسلم وصفات الصحابة رضوان الله عليهم والصالحين من سلف هذه الأمة.
    ولقد أيقنت أنه من أنجح الطرق وأكثرها تأثيراً في الناس, وما عرفت رجلاً
    خرج في سبيل الله ولم يحافظ على فكره والتزامه بالسنة, وما زال يمدح هذا العمل ويقرّ بتقصيره فيه كل أحدٍ سواء كان ملتزماً به أو معتزلاً له, فالملتزم مقرّ بأنه لم يبلغ مبلغ الرجال الأُوَل من الدعاة ويتألم على تقصيره, والمعتزل ما زال يذكر تلك الأيام التي خرج فيها في سبيل الله مع طائفة من الناس الذين لا يزال يذكرهم بخير ويذكر صحبتهم ومحبتهم, ولا زال يقول إنّ حلاوة تلك الأيام في قلبي .

    وأمّا القادحين فإنهم فئات شتى, منهم فئة حاقدةٌ بسبب خلاف شخصي أو فردي مع أحد الدعاة, وهذا أعرفه في بعضهم عندما كان يحتد النقاش والمجادلة بينهم, فأخذ بالبحث والتنقيب وتسجيل الأخطاء التي يشاهدها تباعاً, فخرج بشيء يصف فيه هذا العمل ربما بالجهل وربما بأشياء أخرى.
    وآخرون جهلوا هذا العمل ولم يريدوا أن يعرفوه ووضعوا له صفة البدعية دون دراسة له أو دون رغبة أيضاً في دراسة منهج هذا كما سيأتي.
    وآخرون شاركوا في هذا سنين طويلة, ولكن لسبب أو لآخر تراجع عن كلامه وعن مدحه لهذا العمل لمجرد أن جاءه من يصف رجال الدعوة بوصفٍ ما, وهذا الوصف لم يره خلال مشاركته مع الجماعة السنين الطوال.
    ومنهم من أقام في مراكز الدعاة وحفظ القرآن وتعلم فيها, ثم بعد ذلك لا يكفيه أن ينسحب منها (إن صح شيء مما يبررون وينتقدون, أو بدا لهم شيء من المخالفات أو البدع) ولكنهم يبدؤون الحرب ويعلنون العداء لأيادي الخير التي قدمت لهم وتعلموا منها وحفظوا القرآن وتأدبوا وتهذبوا على أيدي مشايخ الدعوة، ويرجع أحدهم يتنكر حتى لأصدقائه ويحاربهم فكرياً ويناصبهم العداء .
    ومنهم
    من خرج مع الجماعة مراراً وكان يعتكف في المساجد ويُبين في الناس ويرغب بالخروج, ثم إذا به يتنكّر ويعلن العداء والحرب, ويطلب من بعض المشايخ في الأردن ومصر أن ينسلخوا عن الجماعة الأم, وأن يستقل العمل هنا عن الجماعة في الهند وباكستان بعد أن قال: إن بعض العدول أخبره (بما لم يعهده في الجماعة) أنهم يبايعون على طرق صوفية, ويزعم أن الجماعة أخفته عنه وقد أخبره العدولَ بالنسبة له بزيغ الجماعة وضلالهم, فطلب منّا أن ننفصل عن الجماعة في الهند والباكستان, ونجتهد بأسلوب جديد مع العلماء, وألا نرتبط مع مراكز الأعاجم, لما عُلِمَ عنهم من منهج صوفي يدعون إليه ويبايعون عليه.
    ثم يأتي آخر, فيقول: إنه خرج مع الجماعة وجاؤوا إلى مسجدٍ
    فوجدوا الناس ساجدين إلى القبر, فزعم أن أمير الجماعة أمرهم أن يسجدوا للقبر ويحتسبوها لله تعالى ؟؟ قد والله يعلم الجميع أن هذا لا يصح ولا يكون من جماعة التبليغ, ولا كان يوماً فيهم, ولا دعوا لمثل ذلك, بل إنهم في تلك البلاد ينهون عن الدخول إلى المساجد المعروفة أهلها بالقبوريين.

    ولقد كنت خارجاً مرةً هناك فسمعنا صوت الطبول والدفوف والجلبة في مسجدٍ قريبٍ منّا, فنسأل عن ذلك فيقول لنا من يصحبنا من تلك البلاد: هؤلاء قبوريون. يا أهل العلم وطلبته هل يقابل هذا النقل المشهور والمتواتر عن جماعة التبليغ بنقل رجل واحد لا شهود له إلا نفسه ؟‍! ونحن نقول لكم ما قاله الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً ما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} (الحجرات).

    ومن القادحية من يقول: خرجت مع الجماعة ومن أول يوم قال لي الأمير: قم وتكلم, وذلك في بيان بعد صلاة المغرب وجعلني أتقوّل على الله بلا علم ولا فقه, وها هو يتكلم عن الدعوة والعلم في شريط طويل.

    إننا والله نشك في دقة مثل هذا الكلام وتثبت أصحابه, ونقول: سامحهم الله تعالى وأنار قلوبهم بالحق فلا يقولون إلا الصدق. فإن الجميع يعلم أن للدعوة والتبليغ ترتيباً ومنهجاًً في عملهم على مدار اليوم والليلة, وسوف يأتي ذلك إن شاء الله تفصيلاً وليس من منهج الجماعة أن يُكلّف رجلٌ بالعمل جزافاً كما ذكر صاحبنا, ومع ذلك لو قبلنا منه نقده بحسن النية, فإن ذلك الموقف قد صنع منه طالب علم وأصبح داعية تنتشر أشرطته بين الناس.

    إن هذا الكلام مشين ومخجل ومدّعية لا يعرف عن الجماعة التبليغية شيئاً, رأيهم ونظرهم بحجة, وهم ليسوا بمعصومين, وإن صح أصل نقله فالحمد لله تعالى أنه بسبب هذا الموقف رجع إلى بلده حريصاً غيوراً على دينه وأصبح من طلبة العلم, كما يقول بنفسه في شريطه المسجل له.

    ونحن والله لا نلوم عندما يسألون عن التبليغ فينكرون علينا شيئاً من علمنا, لأن العلّة ليست في العالم وإجابته ولكن العلّة في السائل حيث يعرض سؤاله من زاوية يعلم الجميع ضلالها, ولو كان السؤال بحسن النية مع بيان الحال على حقيقته للعلماء رجاء الإصلاح ورغبة بيانِ الحق لكان السؤال بصيغة أخرى وسيسمع عليها جواباً شافياً.


    إن كل من ذكرتُ ليس لهم حجة بدليل, وما رأيت إنكارهم إلا على سلوكيات فردية من بعض أفرادٍ خرجوا في سبيل الله أياماً قليلة ولم يتفهموا أصول هذا العمل, ولكن ربما قادتهم عاطفتهم لأن يقولوا شيئاً مخالفاً وهذا ليس بحجة. وجملة إنكارهم لا يتعدى خطأ أحد من الشباب المتحمسين لم تصقل الدعوة شخصيته, مثلهم في ذلك كمثل رجل دخل بيتاً جميلاً رائعاً في كل شيء على أكمل ما تشتهيه النفس في الدنيا من جمال البناء والصالات والرخام وأعمال الجبص والزخارف والحدائق والورود وما تشتهيه النفس, ثم رأى بعض العيوب الصغيرة هنا وهناك فقال: لا بد من هدم هذا القصر لأجل هذه العيوب, فلما فعل ذلك وهدم البيت لم يَبنِ بيتاً جديداً ولم يترك القديم على حاله ولم يُصلح ما فسد من البيت, ثم انطلق إلى فج آخر يُناظر بيتاً آخر من بيوت الدعوة فيهدمه .

    لقد راسل كثير من الناس - من الأردن ومصر والمغرب وغيرها - فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله وردّ عليهم ردوداً مختلفة, ولكن مفادها جميعاً أن هذا العمل والخروج مع الجماعة فيه خير كثير, وما ذكر له من أخطاء وأحوال أفاد فضيلته أنها ليست من منهج الجماعة ولا يدعون إليها, وأن مسؤولية المراسلين أن يخرجوا مع الجماعة ليتدبروا عمل الدعوة على طريق أهل التبليغ, وكذلك ليستفيد الناس من علمهم, وهذا كله يعلمه جيداً هؤلاء المعارضون وأشاروا إليه أحياناً في رسائلهم ومؤلفاتهم وأقوالهم, وسمعوا ردود أهل العلم ولقد أعلن بعضهم في رسائله :أنّ هذه الجماعة غير طامعة في مناصب الدنيا ولا بالمال ولا المشيخات, فلذلك اختارهم وسار معهم . ولم يعلن أحد منهم أنّ من هؤلاء الدعاة من دعا إلى ضلالة أو بدعة أثناء صحبته لهم, ويعلم هؤلاء أيضاً أن للجماعة منهجاً في التعامل مع الشباب الذين يعودون إلى الله, وهو الصبر عليهم والنصح لهم وتوجيههم لإحياء السنن, فإنه كلما أقيمت سنة ماتت بدعة.

    وإنّ مراسلات مشايخ الدعوة والتبليغ مع العلماء من أهل نجد والحجاز, وكلام الشيخ ابن باز رحمه الله, وكلام الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله, وجواب الملك عبد العزيز ابن سعود رحمه الله, كل ذلك واضح في ملفات جماعة التبليغ في دائرة الإفتاء وغيرها, ليكفي للرد على هؤلاء وعلى غيرهم
    .
    أسأل الله
    تعالى أن يشرح صدورهم لإنصاف هذه الدعوة, وأن يأتي اليوم الذي يُردفوها فيه بعلمهم وقوة بياناتهم وحجتهم, أقولها لما علمت عن بعضهم من الخير والدين وما عنده من حكمة وعلم وبُعد نظر وحسن تصرف في الملمات .


    وقد ذُكر في بعض الكتب المعارضة لهذا المنهج أنه وافدٌ إلى جزيرة العرب !! فما العيب في ذلك ؟ فإن الكثير من العلوم الشرعية وافدة إلى الحجاز !! عِلماً بأن الأصل الخير لا يزال هناك في كنف بيت الله جل جلاله ومدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويكفي أن نذكر لأحبتنا أنّ الصحيحين, وهما أروع بيان في أكمل صورة واضحة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم قد وفدا إلى جزيرة العرب من نجارى ونيسابور، وأنّ الرجل الذي حارب البدع وحمل لواء السنة وملأ الأرض علماً في كل فنون دعوة التوحيد ومنهج السلف الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله قد وَفَدَ علمهما إلى الحجاز من بلاد الشام إن هذا ليس انتقاصاً للعلم في جزيرة العرب ولا للدعوة فيها, بل هو رديفٌ لها ومعزز لنصرتها. وإن الشيخ محمد الياس والشيخ محمد يوسف رحمهما الله كان أكبر همهما وأعلى أمانيهما أن يروا هذا العمل ينبعث من تلك الأرض المباركة إلى جميع أنحاء العالم, لذلك أقام الشيخ سعيد أحمد رحمه الله في مدينة الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى فارق الدنيا من أجل هذا المقصد, كما أنّ هذا العلم وهذه الدعوة ليست حكراً على أحد, وإنما هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده ليفتح بذلك النور قلوباً غلفاً وآذاناً صماً وأعيناً عمياً.


    وأمّا بقية المسائل التي أوردها القادحون فقد بينها صاحب كتاب (جلاء الأذهان) عمّا اشتبه في جماعة التبليغ لبعض أهل الإيمان, والذي عرض فيه مجموعة من رسائل كبار العلماء والمشايخ في المملكة العربية السعودية ننصح بالرجوع إليه, فليس لدينا ما هو أفضل من ذلك للرد على المخالفين سواءً كانوا مجتهدين مخطئين أو كانوا حاقدين. والمبغضين الذين غاية حجتهم أنه وافدٌ إلى جزيرة العرب, حيث بَينّ فضيلة الشيخ خالد عبد الرحمن في كتابه (وجوب الدعوة للكتاب

    والسنة بفهم سلف الأمة) عقائد المشايخ ومنهجهم, وردّهم البدع والضلالات, وحبهم للسنة وأهلها وإصلاحاتهم المذهبية.

    أمّا ما نحن بصدده فسوف نعرض له بعد هذا المدخل, والذي كان من الضرورة بمكان التقديم له وبيان ما أرداه الراغبون في هدم بيت الدعوة الذي أراد الله تعالى له أن يكون قوياً متيناً بما فيه من حكمة ولين جانب وحسن خلق وصبر وتحمل وإماتة للمنكر بعدم ذكره وإحياء للمعروف بكثرة ذكره مع ما شهد به أهل العلم والمعرفة وأهل الصحبة لهذا البناء الدعوي المبارك, شاكرين لهم

    فضلهم, وأنار بصائرهم بحكمتهم, وجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    وأهم شيء في الباب هو بيان صفات علماء الدعوة المؤسسين, وما عُرِفَ عنهم من علم وتقوى وورع, وأنهم ليسوا مسوخاً وأنهم يحفظون بعض الآيات للتبرك فقط ، كما أشار بعض من قدح فيهم وفي علمهم سامحه الله, وبيانُ أنّ من أقام بهذا العمل ونشره في الأرض جميعاً ليس جاهلاً ولا ضالاً, مع إيضاح بقية المسائل المشار إليها آنفاً, وبمساعدة بعض إخواننا المحبين لهذا العمل وأخص بالذكر الأخ الحبيب مجدي أبو عريش الذي شجّعني على جمع هذه المادة تكميلاً لما كتبه عن الدعوة في رسالته (لكي لا تغرق السفينة / الدعوة ثم الدعوة ثم الدعوة), وفي رسالته) لعلّ نظرة إنصافٍ إلى هذه الدعوة) آملين العون والسداد من الله تعالى, وأن يعيد إلى مسيرة هذه الدعوة المباركة هؤلاء الأحبة الذين يعارضون هذا العمل ليكونوا قدوة الطريق وعلماء المنهج مع تقديرنا وحبنا إياهم.



    بسم الله الرحمن
    الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله
    وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته ودعا بدعوته إلى يوم الدين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا مثيل له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه.
    }يا أيها الناس اتقوا
    ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} (الحج1-2),} يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (آل عمران102), }يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسآلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} (النساء1).
    وبعد: فإن أصدق الحديث كلام الله عز وجل, وخير الهدي هدي رسوله, وشر الأمور محدثاتها. قد ذكرنا في مقدمة هذا الكتاب عناوين من محتويات جواب (الموسوعة الميسرة) والتي ذكر فيها كاتبها أسماء أمراء بعض رجال الفكر من أهل الدعوة والتبليغ, وتمت أبواباً أخرى نأتي عليها في ثنايا تلك الوقفات إن شاء الله.

    وأول ما نستهل به كلامنا هو ذكر سيرة الرجل المؤسس لهذا العمل، واتصالاته وعلاقته بالعلماء، ونَسَبِه ورفاقه الذين أعانوه ومشايخه الذين أيّدوه، والذين عارضوه في هذا العمل...

    وخير من كتب في سيرة الشيخ محمد الياس رحمه الله وكان من أجدر الناس وأقدرهم على تأليف كتاب في سيرته وعن حياته رحمه الله، والذي كان موضع ثقته وعطفه الخاص بما بينهما من روابط دينية وأسرية هو فضيلة الشيخ العلامة أبو الحسن الحسني الندوي رحمه الله.


    فمن أراد أن يتعرف على هذه الشخصية المجدّدة لهذه الدعوة المباركة فعليه بكتاب الداعية الكبير محمد الياس الكاندهلوي, وقد نقلنا في كتابنا هذا كل ما يهمّنا من سيرته ودعوته من هذا الكتاب فهو الداعية الكبير الشيخ الرباني مجدد الدعوة إلى الله على نهج النبوة وفكر الصحابة محمد الياس بن الشيخ العالم الرباني محمد إسماعيل الذي ينتمي إلى أسرة كريمة وعريقة في العلم والدين ينتهي نسبها إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه , كان هذا الرجل من أهل العزلة والخلوة والعبادة والتلاوة وخدمة الغادين والمسافرين، وكان تعليم القرآن شغله الشاغل في ليله ونهاره, وكان قمةً في التواضع وإنكار الذات, حتى إن كان ليحمل الحمل عن الأجير ويضعه, وينزع الماء بالدلو من البئر ويسقيه ثم يركع ركعتين شكراً لله على توفيقه لخدمة عباده دون جدارة أو استحقاق. فكيف لا يرث هذه الصفات عن أبيه؟ !وهي التي كانت سبباً لارتقاء دعوته. ولقد كانت أمه كذلك من أسرة ذات علم وتفوق، وكانت حافظة لكتاب الله وكانت تقرأ القرآن في اليوم والليلة وكانت في رمضان تختم القرآن مراراً، وذلك بجانب شغلها في التربية وشؤون البيت.


    وكان الشيخ محمد الياس ثالث أخوين يكبرانه سناً الشيخ محمد وهو الأكبر، والشيخ محمد يحيى وهو الثاني, والإثنان من حفظة القرآن وأصحاب السنة، ولكن الأخ الأوسط محمد يحيى كان عالماً وفقيهاً، وكان مدرساً في المدارس الدينية هنا وهناك, حتى انتقل إلى كنكوه عند العالم الرباني المعلم الكبير الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي (قرية كنكوه مديرية سهانفور) ولازمه يتعلم منه ويتشرب الدين والتقوى، وكان الشيخ محمد الياس ما زال يتنقل بين كاندهلة ونظام الدين وفيها (خؤولته وإقامة والده) وكان إقباله على الدين والعبادة كبيراً جداً من طفولته، لذلك عرض الشيخ محمد يحيى على والده أن يرافقه أخوه محمد الياس إلى كنكوه, كي يتمكن من الإقبال على دراسة العلوم والإشراف عليه
    بصورة منظمة ودائمة, حيث تلك القرية منتجعُ الصالحين والأتقياء والعلماء, تمتع الشيخ بمعايشتهم فيها وصحبة الشيخ رشيد,
    ولا يخفى على الحكماء وأهل الخبرة
    ماذا تعني هذه المجالس والمحافل الدينية ومعاشرة الأخيار وما فيها من أثر على طالب العلم، حيث العواطف الدينية والذكاء والفهم الديني والشعور الإسلامي. هذه البيئة التي عاش فيها الشيخ محمد الياس رحمه الله كان لها الأثر الأكبر والعامل الأساسي في تكوين حياته الدينية والإيمانية, حيث أمضى بها أكثر من عشرة أعوام يدرس حتى توفي الشيخ رشيد رحمه الله في سنة 1363هـ , والتلميذ يقرأ ويتعلم حيث كان أخوه الخبير الشيخ محمد يحيى يشرف عليه ويربيه بحنكته وخبرته, مركزاً عنايته على أن لا تحول دراسته النظامية بينه وبين الإفادة من تلك المجالس الخيّرة.

    تغيّرت صحة الشيخ محمد الياس رحمه الله وأُصيب بصداع شديد وأمراض قد نحلت جسده وأضعفت قوته, مما اضطره إلى الانقطاع عن الدراسة فترة ثم ما لبث أن رجع إليها قبل أن يتم شفاؤه رغم
    معارضة أخيه لعودته, حيث قال له أخوه: ما حاجتك إلى الدراسة وأنت في هذه الحالة من النحول والضعف؟
    فأجاب: وماذا ينفعني أن أعيش جاهلاً ؟ وأخيراً استسلم الناس
    لإلحاحه ورجع إلى العلم والدراسة .

    وبعد وفاة الشيخ رشيد بعامين (عانى فيهما سوء الصحة والحال) ارتحل إلى ديوبند, وحضر دروس الشيخ العلامة محمود حسن المعروف بشيخ الهند/ رئيس هيئة التدريس وشيخ الحديث بدار العلوم بديوبند, وقرأ عليه صحيح البخاري وجامع الترمذي, وأتمّ دراسة الحديث وبقية الصحاح على أخيه الشيخ محمد يحيى في ظرف أربعة أشهر, ثم تم الاتصال مع الشيخ خليل أحمد السهارنفوري صاحب (بذل المجهود في حل ألفاظ أبي داود) وبايعه وذلك بناءً على إشارة الشيخ محمود حسن رحمه الله, وتلقى على يدي الشيخ خليل السهارنفوري التربية الروحية والتزكية القلبية والإحسان, وقد واظب الشيخ محمد الياس على العبادة والقراءة والحرص على السُّنة, والقيام بالنوافل, وكانت عاطفة الجهاد مشتعلة في قلبه إلى جانب عبادته، والمتصلون به يعرفون أن دوراً من حياته لم يخلُ من تلك العاطفة وحماسة الجهاد والعزيمة مما دفعه إلى مبايعة الشيخ محمود حسن بيعة الجهاد.

    بعد سن الخامسة والعشرين إلى الثلاثين من عمره, أصبح الشيخ محمد الياس موضع احترام بين المشايخ والعلماء يحترمونه ويجلّونه رغم صغر سنه رحمه الله تعالى.


    كانت هذه التي نشأ فيها الشيخ محمد الياس وهذه
    عائلته, وليس كما ذكر بعض الكتاب والشيوخ أنه من أناس قليلي الحظ من العلوم الدينية والدنيوية,
    وسوف يقرأ هؤلاء الشيوخ ضمن هذه الأوراق أن رجال الدعوة ليسوا
    مسوخاً منسوبة للدين ولكنهم متواضعون لإخوانهم المسلمين وفي نفس الوقت هم حريصون على طلب العلم والنهل من مناهل العلم حيث يوجد إلى ذلك سبيل, ولكن ضيق أفق المعارض جعله يتخبط وصم أذنيه عن النصيحة.

    كتابات الصوفية في الشيخ محمد إلياسودعوته:

    في معرض الحديث عن الشيخ محمد الياس ودعوته رحمه الله وفي مقدمة الكتاب بان لنا رأي الكُتاب والعلماء المعارضين للدعوة من الإخوة المنتسبين إلى فكر السلف، وبان لنا كذلك اتهامهم للجماعة بالتصوف والاقتراب من القبورين, ولكنّ هناك وفي الجانب الآخر للمتصوفة رأيٌ آخر مختلف في الجماعة التبليغية, فلنسمع ونقرأ ونتدبر
    .
    فقد كتب (أبو أحمد تريكاربوري) صاحب كتاب (كشف الشبهة عن الجماعة
    التبليغية) حيث استهل كتابه بعد الحمد والثناء على الله تعالى بالتعريف بالجماعة, قائلا:ً
    " إنه قد ظهرت في شمال الهند فرق عديدة على رسم تجديد الدين وإحيائه وتبليغه حيث أتبعهم أقوام... إلى أن قال: واخترعها رجال أهوتهم الأهواء وأضلّتهم الآراء واستوردوا دلائل الشرع حسب أفكارهم الكاسدة، ومالوا نحو زيغ ابن تيمية الحراني، ثم محمد بن عبد الوهاب النجدي، ولكن التبست على من ليس عنده علم بأصول الشرع ولا خبرة بفروعه فرأوا طرائقهم حقاً وعقائدهم سالمة، وإن من هذه الفرق(الحركة الإلياسية) الملقبة بجماعة التبليغ, ثم استرسل يصف ما يريد حتى وصل إلى الكلام عن المؤسس محمد الياس رحمه الله, فذكر نسبه ثم علومه، وبيّن دينه أنه درس في مدرسة مظاهر العلوم، ثم بدأ يُدَرِس ويربّي المريدين على الطريقة الصوفية ووضعه أنه لم يجد في هذا الطريق فائدة غير لجوء بعض العوام إلى تمائم الصوفية وحجبهم وهياكلهم، فترك هذا واخترع الطريقة التبليغية كما حكاه عنه (جمال محمد صاحب) عميد كلية قائد ملت ". قلت: " إقرأ ذلك مفصلاً في الجريدة اليومية- جندرك 24/7/76."
    ثم
    نقل (صاحب الشبهة (ص3)) عن الشيخ محمد إدريس الأنصاري - وهو من مشايخ الجماعة - عن مقدمة رسالته (تبليغي دستور العمل) قوله عن الشيخ محمد الياس رحمه الله: "فاضطر لتأسيس جماعة صالحة هي الجماعة الإسلامية على الحقيقة والمعنى الصحيح, تعمل على المنهج الإسلامي مقرراً ذلك نصب عينيه, فتصدى لهذا الأمر البحث والتفحص أحد عباد الله الصالحين محمد الياس متوكلاً على الله تعالى وبدأ يجمع حوله من له ميل إلى العمل بالأصول الإسلامية, وجذب إليه, وأسس جماعة جديدة هي الجماعة التبليغية".

    وقد ذكر صاحب (كشف الشبهة) أن دعوة التوحيد (الوهابية) هي أصل من أصول عمل التبليغ, حيث أكد أن الجماعة تقول بقول (الوهابيين) الذي تصدى لدعوة الأمة إلى التوحيد الخالص واجتناب الشرك وأن كثيراً من الأمة قد ضلّت بالتوسل بالأنبياء والأولياء والاستشفاع والاستغاثة بهم، وأن التوسل بالأنبياء والصالحين شرك بالله إلى آخر ما كتب منتقداً. (انظر الصفحات الأولى3-4 من كتاب كشف الشبهة). ثم يصف نشأة الدعوة أنها بدأت في المدينة المنورة, حيث شرح الله صدر الشيخ محمد الياس كما حكاه الفاضل (أبو الحسن الندوي) وبعد عودته إلى بلاده شرع في تنظيم الجولات وإرشاد الناس، وأنه رأى في الرؤيا ما يشرح الله صدره لهذا العمل فيما حكاه عنه رفيقه الشيخ محمد منظور النعماني في كتابه (ملفوظات محمد الياس) .

    وقال: إن هدف هذه الجماعة وأغراضها ثلاثة:
    1- إعلاء كلمة الله.

    2- إشاعة الإسلام وتبليغه.
    3- اتحاد بين متفقي العقيدة والمسلك, مع الإصلاح المذهبي والأخلاقي والتعليمي.

    قلت: إنّ هذه الأفكار هي التي طُرحت على علماء نجد والحجاز وعلى جلالة الملك سعود عندما عرضوا عليه دعوتهم أثناء وجودهم في بلاد الحجاز (أعني الشيخ محمد الياس والشيخ احتشام الحسن رحمهم الله), اقرأ كتاب: (العروة الوثقى) للشيخ احتشام الحسن وسيرد ذلك تفصيلاً
    .
    ويسترسل صاحب كتاب (كشف الشبهة) إلى أن يقول: " وبالجملة هذا شخص (محمد
    الياس) يتبع رؤياه بعد مفارقة طريق المشايخ الصوفية, فأي دليل على أنه ليس له عدات الشيطان وأمنياته وأنه أضغاث أحلام حيث ترك طريق الصوفية المعهودة في الإسلام، فذكرُه وتهليلُه أيضاً ليس على سبيل الطريقة المتبعة من الأشياخ, كما لا يخفى من إقراره وبيانه.
    وتعليقنا على ذلك: أن هذا يدل على مفارقة الشيخ محمد الياس الطرق الصوفية, واتباع الأذكار المسنونة, واتباع سبيل المؤمنين أصحاب العقائد السليمة, وأنه دعا الناس إلى ذلك ونشر هذا الفكر وبيّن للناس حسن الاعتقاد واتباع
    السنة.

    يقول الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله: "ان باني التبليغ (محمد الياس) وهو ابن عشر سنين إلى عشرين سنة قد تتلمذ على يد الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي ", كما ذكر أبو الحسن أن الشيخ رشيد أحمد هو القدوة والأسوة، لباني جماعة التبليغ وكذلك الشيخ أشرف علي التهانوي من علماء شمال الهند، وكذلك الشيخ خليل أحمد السهارنفوري … وهؤلاء هم رفقاء الشيخ محمد إسماعيل الدهلوي الذي كان أول من صدع بالدعوة السلفية في شمال الهند, كما جاء في كتاب (محمد عبد الوهاب ودعوته) الذي أشار إلى نشر الدعوة السلفية في الهند على يد الشيخ سيد أحمد وهؤلاء هم رفاقه والقائمون على الدعوة بعد موته.


    وكتب صاحب كتاب (كشف الشبهة عن الجماعة التبليغية) قائلاً: "ثم نطالع عن الرشيد وكتبه وأقواله وهو الذي اقتدى به مؤسس جماعة التبليغ, وبين انه المجدد وقطب الإرشاد، وهذا الرجل (أي الرشيد) يُثني على محمد عبد الوهاب الذي كفر الأمة على توسلهم بالصالحين واستغاثتهم بهم حيث يقول: "يقول الناس عن محمد بن عبد الوهاب أنه وهابي، وهو رجل صالح سمعت أنه حنبلي المذهب، وعامل بالأحاديث، ورادٌ للبدع والشرك، ولكن في مزاجه شده" (ص237), ويقول أيضاً: "الناس عن اتباع محمد عبد الوهاب أنهم أناس وهابيون ومذهبهم حنبلي وعقائدهم حسنة" (فتاوى رشيدية ص235), انظر تفاصيله في كتاب الإمام السيد أحمد زيني دحلان جزاه الله خير الجزاء.


    ثم قال صاحب (كشف الشبهةنقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي"ويقول كذلك الرشيد أحمد في فتواه عن الشيخ إسماعيل الدهلوي أنه هو الذي بذر بذور الوهابية (السلفية) في الهند أولاً، وأنه عالم مُتقي مُزيحٌ للبدعة وعامل بالقرآن والسنة والهادي للخلق" (فتاوى رشيدية ص41.(

    وقلت: "بالجملة فإن هؤلاء الذين رافقهم الشيخ الياس وعلى رأسهم رشيد أحمد الكنكوهي وأشرف التهانوي، يعلنون ويفتون بتزكية الشيخ محمد عبد الوهاب، ويثنون على الشيخ ابن تيمية، وكذلك الشيخ محمد إسماعيل الدهلوي".


    وقد ذكر أن عقائدهم كما ذكرها صاحب (كشف الشبهة عن الجماعة التبليغية) على الصفحات (15، 16، 17، 18، 19، 20) تبيّن أنهم أهل سنة وينكرون النداء المباشر للنبي والتوسل والذبح ونفي علم الغيب إلا من ارتضى الله له بشيء من ذلك، وينفون طلب الشي من الأولياء، وطلب الحاجات وإيقاد السرج للأولياء، والتطهّر في المقابر, وكل ما بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد عبد الوهاب من أدران الشرك, وبيان ذلك في كتابه (تقوية الإيمان) للعلامة محمد إسماعيل الدهلوي، وهو ما كان عليه هذا الجمع من العلماء بمن فيهم الشيخ محمد الياس, فإن خلاصة رأي أهل الدعوة والتبليغ في الشيخ محمد عبد الوهاب ودعوته السلفية قد جاء في كتابات الشيخ محمد منظور النعماني (ملفوظات محمد الياس) الذي كتبه في جريدة الداعي التي تصدر في (دار العلوم ديوبند) تحت إشراف محمد طيب أخصّ تلامذة الشيخ حسين أحمد المدني في الأعداد السبعة الأولى التي نشرت سنة 1398هـ. حيث يقول رئيس التحرير في مقدمته: "ما من شك في أنه كان من الشخصيات البارزة ودعاة الخير والإصلاح، وقد قام بعمل جليل في نشر السنة, وإماتة البدعة, ونفي الشرك، ودحض العقائد الخراجية والشركية وتقاليدها... الخ".


    ويقول النعماني أيضاً عن ما صدر عن الشيخ (خليل احمد السهانفوري والشيخ حسين أحمد المدني) في قولهما: "الحكم فيهم عندنا: كما قال صاحب الدر المختار حكمهم حكم البغاة" إلى آخر ما أطال أنهما قالا ذلك قبل اطلاعهما على أحوال الشيخ النجدي, ومما راج من الشائعات والأقاويل عنه وعن محمد إسماعيل الدهلوي شمال الهند, وهذا قوله أحمد السهانفوري: "أقول ان الدعايات المضلة والشائعات التي أثارها أعداء الشيخ النجدي والذين عارضوه دينياً وسياسياً ونشروا الأكاذيب الشيطانية عنه في سائر أنحاء العالم بشتى الأساليب والطرق, قد تأثرت بها الأوساط الدينية التي ينتمي إليها الشيخ محمد إسماعيل الدهلوي, وتؤمن بنفس العقائد والمبادئ التي قام بها الشيخ النجدي والعلماء الذين يحاربون معه البدع ويردون التقاليد الشركية ويوافقون الشيخ محمد عبد الوهاب في المبادئ والأهداف والغايات, وأن ما كتب الشيخ خليل أحمد السهارنفوري قبل نحو خمس وسبعين عاماً رداً على سؤال بعض علماء المدينة وهو مطبوع ضمن كتابه) التصديقات( وكذلك ما كتب الشيخ حسين أحمد المدني في )الشهاب الثاقب( كل ذلك نتج عن الإشعاعات والأضاليل التي أثارها المعترضون ونشرها أعداء الشيخ ابن عبد الوهاب النجدي لأغراض تافهة ومطامع سياسية, وقد رجع الشيخ عن رأيه قبل خمسة وخمسون عاماً بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة واطلع على أفكار الشيخ وأرائه عن كثب، وهكذا حدث مع الشيخ المدني، حيث أنهما لم يستنكفا أن يعلنا صراحةً بأن ما كتبه كل منهما في التصديقات والشهاب الثاقب بُني على الشائعات وأن آرائهما قد تغيرت عن الشيخ وأتباعه من علماء نجد بعد أن اطلع على أحوالهم وأفكارهم الدينية, وحيث نشر هذا البيان قبل خمسين عاماً حيث كنت متعلماً في بعض الصحفونشر بيانه حين ذاك, وقد بعث إليّ بنص ذلك البيان أحد كبار محبي الشيخ الزاهد (صبغة الله البختياري) وقد ضَمّن الشيخ عزيز الدين المراد أبادي هذا البيان كتابه (أكمل البيان) ص5- من العدد الأول للسنة الثالثة" أهـ كلام النعماني رحمه الله.

    ثم يختم كلامه صاحب (كشف الشبهة): "وهل يشك أحد بعد هذا البيان أن رؤساء التبليغ لا يحاذوا حذو النعل بالنعل بالطائفة الوهابية؟؟
    !!

    دعوته رحمه الله:

    لقد أشرنا فيما تقدم كيف بدأ هذا الجهد, ولكنّ المكان الذي بدأ به جهده ودعوته لا أظن أن كثيراً من الناس يعرفون أنها بلاد (الميوات)
    إنها أرض قطاع الطرق واللصوص والشطارة والنهب, وكانت أبواب دلهي تغلق بعد الغروب خوفاً من هؤلاء اللصوص, ولكن لما أراد الله لهم الهداية قيضّ لهم هذا الرجل الداعية الكبير الشيخ / محمد الياس رحمه الله, والذي كان يجمعهم ويدفع لهم بدل أجرتهم ليجلسهم يستمعون كلام الدعوة والإيمان , حتى أصبحت هذه البيئة (الميوات) من
    أطهر بقاع الهند, فأصبح فيهم الألفة والمحبة والخلق الحسن وطيبة النفوس .
    فكان
    من أغرب الأمور أن هؤلاء الذين كان القتل عندهم أهون شيء وقد يقتلون لأمرٍ تافهٍ أو درهم زائفٌ, أصبحوا الآن يحرسون الأموال والأعراض ويعفّون عن المحارم، كما ظهر فيهم الإقبال على العلم والتواضع والحفاوة والإكرام ودماثة الخلق وأثرةٌ على النفس، وأُلفةٌ ومودةٌ لا توجدان في هذا العصر المادي، وعزوفاً عن الشهوات وصبراً على المشاق، وإيماناً وصلاحاً وظهر تأثير الإصلاح على الآلاف من الناس وانقلبت نفسياتهم انقلابا عجيباً.

    يقول الشيخ الفاضل أبو الحسن الندوي رحمه الله: "تحرّيت عن سبب هذا الانقلاب وشدتني رغبة جامحة لمعرفة المؤثّر على هذه البلاد, فذكر لي أنها لا جامعة ولا جمعية ولا دعاية ولا صحيفة ولا كتاب، إنما هو رجل متواضع من دلهي قد بثّ الروح في هذه الأمة وهذب النفوس ونشر الدين والعلم,
    وحدا بي الشوق إلى زيارته
    فجئت إلى دلهي فإذا هو رجل نحيف اسمر اللون على وجهه مخايل الهم والتفكير والجهد الشديد, ليس بمفوّه ولا خطيب بل يتعلثم في بعض الأوقات ويضيق صدره ولا ينطلق لسانه، ولكنه كله روح ونشاط وحماسة ويقين, لا يسأم ولا يمل من العمل، ولا يعتريه الفتور والكسل.

    ثم يستطرد الشيخ الفاضل: "لقد صحبت (مولانا محمد الياس) مركز هذا النشاط الذي وضفته مدة طويلة، ورافقته في السفر والحضر، فرأيت نواحٍ من الحياة لم تنكشف لي من قبلُ، وكان أغرب ما رأيت يقينه الذي عرفت به يقين الصحابة رضوان الله عليهم, فكان يؤمن بما جاءت به الرسل إيماناً يختلف عن إيماننا اختلافاً واضحاً كاختلاف الصورة عن الحقيقة, إيماناً بحقائق الإسلام أشدّ وارسخ من إيماننا بالماديات والمحسوسات وبخواصّ الأشياء والأدوية، ومضارها ومنافعها، وبتجارب حياتنا, فكان كل شيء صح في الشرائع وثبت من الكتاب والسنة حقيقة لا يشك فيها، وكان يرى الجنة والنار رَأْيَ العين, ورأيته في حال عجيبة من التألمّ والتوجعّ والقلق الدائم, عرفت برأي معنى الحب وفهمتُ ما روي عن العشاق والمتحابين، ومن استولى عليه الحب, وصدّقت ما نُقل عن الأنبياء من الحزن والقلق والحرص على الهداية,
    ورأيت أعجب ما فيه أنه كان في مرضه الذي توفي فيه لا يستطيع القيام والقعود،
    ولكن يأتي إلى الصف يتهادى بين الرجلين حتى تقام الصلاة، فيستقل بنفسه فإذا كبر الإمام ترك الرجلان وقام بنفسه كأنه غير الرجل ويقوم ويركع ويسجد من دون مساعدة, حتى إذا سلم الإمام خارت قواه وعاد ضعيفاً لا يستطيع النهوض، وبقي على هذا الحال شهوراً حتى أتاه اليقين وانتقل إلى الرفيق الأعلى, وما فاتته في مرضه صلاة إلى الليلة التي قبض فيها" انتهى وصف شيخنا أبو الحسن رحمه الله.

    قلت: هذا الكلام سمعت جُلّه من فضيلته عندما صاحبته أثناء زيارته للأردن سنة 1985م (مؤتمر آل البيت (وكان يرافقه فضيلة الشيخ محمد شقرة, وهذه المختارات نقلتها بتصرّف من كتاب (الدعوة الإسلامية في الهند) لفضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي.


    إن بيان صفات الداعي أجمل مقدمة لدعوته، لأنّ الصفات كان دائماً لها الأثر الأكبر في دعوة الناس, وقد كان لها أكبر الأثر على التابعين ومتأخري الصحابة وأهل الأمصار, حتى أعداء الإسلام كان أثر الصفات سبباً لدخولهم في الدين فإن الداعي جُلُّ صفاته في عمله وفي تجارته وفي رحلاته وفي كل أحواله, وهذا مما تأثر به كذلك كثير من علماء الهند ورافقوا الشيخ الياس منهم من ذكرنا ومنهم من سنذكره في موضعه, وعلى رأس قائمتهم الشيخ الفاضل أبو الحسن الندوي رحمه الله.


    قد أشرنا في الصفحات الماضية أن الشيخ رحمه الله قد جعل لدعوته ثلاث ركائز, عن الشيخ النعماني في (ملفوظات الياس) الركيزة الأولى: إعلاء كلمة الله, والثانية: إشاعة الإسلام وتبليغه, والثالثة: الاتحاد بين متفقي العقيدة والمسلك، مع الإصلاح المذهبي والأخلاقي والتعليمي.
    ومما ذكرنا أن هذه الأفكار هي
    التي عُرضت على علماء نجد والحجاز، وعلى جلالة الملك سعود وتفصيل ذلك في كتاب (العروة الوثقى) لفضيلة الشيخ احتشام الحسن, وبهذا اطمأنت نفوس كبار العلماء في الحجاز إلى دعوة الشيخ محمد الياس رحمه الله, وأجازوه بكتبهم وكتاب ملك المملكة العربية السعودية في حينه، وما زالت فتاوى المشايخ النجدية وأولهم الوالد الشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمهم الله وابن جبرين والجزائري وغيرهم من أهل العلم والفضل؛ بهذا انطلقت دعوة الشيخ محمد الياس رحمه الله فقد انطلق من الميوات بعد أن نجح في دعوته (وأثره باق فيهم إلى يومنا هذا) يجوب الأرض الهندية من مشرقها إلى مغربها, يُعّلم الناس ويشرح لهم، ويجلس إلى العلماء ويحاورهم، فأيده منهم خلق كثير, وتأثر بدعوته العلماء وناصروه وخرجوا معهم إلى الأصقاع والقرى.

    أنقل لكم ما تحدث به الأستاذ الفاضل الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله عن دعوته في كلمة وحيزة قال رحمه الله: " لقد رأى مولانا محمد الياس ما أصاب المسلمين من التحللّ والإفلاس في الإيمان والروح والشعور الديني في هذا الزمن، وما أثّرت فيهم الحكومة الإنجليزية والحضارة الغربية والتعليم المدني، وغفلة الدعاة, والانشغال الزائد في الحياة, والانهماك في المادة، حتى صارت المدارس الشرعية والأوساط الدينية كجزرٍ في بحر محيط، فأصبحت تتأثر بمحيطها الثائر على الدين, ولا تؤثر بضعفها وعزلتها على الحياة
    .
    فرأى أن
    التعليم لوحده لا يكفي، وأن الانعزال لا يفيد والانزواء لا يصح ولا بد من الاتصال بطبقات الناس، ولا بد من التقدم إليها من غير انتظار، لأنها لا تشعر بمرضها وفقرها في الدين, ويجب أن يبدأ بغرس الإيمان في القلوب ومبادئ الإسلام ثم الأركان والعلم والذكر, مع مراعاة الآداب التي تقوي هذه الدعوة و تحفظها من الفتن منها: إكرام المسلم، ومنها عدم الإنشغال بما ليس هو من الدعوة وما ليس من سبيل الداعي، وترك ما لا يعني.

    لقد دعا إلى هذا النظام بكل طاقته وقوته ونفوذه، ودعا إلى الخروج في سبيل هذه الدعوة وبثها في القرى والمدن, وبدأ دعوته في منطقة هي أحط المناطق الهندية خلقاً، وأبعدها عن الدين، وأعظمها جهالة وضلالة وهي منطقة ميوات في جنوب دلهي العاصمة الهندية, ودعا الناس فيها إلى الانقطاع عن أعمالهم لفترات كي يتعلموا دينهم ويفرغوا أوقاتهم ويخرجوا إلى المدن والقرى، وبذلك يكون التغيير في أخلاقهم من السوء إلى الحسن والأحسن، لأن الصلاح لا يكون في أرض الفساد، فإذا هم خرجوا من أرض الفساد ورأوا أحوال الناس وصفاتهم رجعوا إلى قراهم بأخلاق فاضلة وصفات عالية وهمة طيبة.


    انتشر فكره, وقبل دعوته في هذه المناطق الألوف من الناس، وخرجوا في سبيل الله شهوراً, وقطعوا مسافات طويلة ركباناً ومشاة فتغيّرت أخلاقهم وتحسنت أحوالهم، واشتعلت عواطفهم الدينية، وانتشرت الدعوة في الهند وباكستان من غير نفقات باهظة ومساعدات مالية ونظم إدارية, بل بطريقة بسيطة تشبه طريقة الدعوة في صدر الإسلام، وتُذكّر بالدعاة المخلصين المجاهدين المؤمنين الذين كانوا يحملون في سبيل الله والدعوة والجهاد متاعهم وزادهم وينفقون على أنفسهم, يتحملون المشقة محتسبين متطوعين.

    انتشرت هذه الدعوة, وانتقلت خارج القارة الهندية, وتوفي الشيخ محمد الياس رحمه الله سنة 1363هـ في شهر رجب وخلفه نجله الشيخ محمد يوسف رحمه الله وقام بأعباء الدعوة خير قيام.
    وفي عهده رحمه الله توسّعت الحركة توسّعاً كبيراً, وانتشرت
    بعثاتها في أنحاء العالم الإسلامي والغربي على السواء, ودعا إلى الإيمان وإيثار الروح على المادة والآخرة على الدنيا، والاعتماد على الله تعالى, وبذل الوسع والطاقة في سبيل الله, دعوة قوية صريحة أثرت في ألوف الناس فأصبحوا دعاة متطوّعين.
    ولا يزال مركز الدعوة في نظام الدين في دلهي مركز حياة دينية ودعوة
    إيمانية يؤمُّه الناس من جهات الأرض الأربع.

    لقد كانت جهود المخلصين وتجاربهم ثروة إسلامية, هكذا نشأت الدعوة على فكرة سلفية وقاعدة شرعية وعلم شرعي من الكتاب والسنة, وندعوا الله كما دعاه الشيخ محمد الياس رحمه الله من قبلُ أن يشرح صدور العلماء للمشاركة في هذا العمل, وإنني على يقين أن الدعوة دائماً بحاجة إلى التجديد والتفكير والتطبيق والتوفيق بين الإسلام الخالد والعصر المتغيّر، واستعراض الشؤون والمسائل، وما يطرأ على العقول من الضعف والقوة، وأن العصمة لله وحده وأنه لم يُختم شيء مما أكرم الله به هذا الأمة إلا النبوة التي ختمت برسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الرسل وخاتم النبييّن.


    وإن كل ما ذكرنا عن أحوال الدعوة من نماذج ومثلٍ للدعوة ونمطِها وأسلوبِها منهاجاً قد شرح الله بها صدور أناس أصحاب نفوس زكية على ضوء الكتاب والسنة, وإننا نعتقد أن جهود المخلصين وتجاربهم ثروة إسلامية عامة ليست مُلكًا لبلد ولا حِكراً على أحد أو شعب دون شعب، بل هي بضاعة المخلصين في كل بلد ونبراس المصلحين في كل عصر, يحق لهم عامة وللعرب خاصة أن يقولوا كلما أهديت إليهم ونقلت من بلاد إلى بلاد وبصوت الحق: "هذه بضاعتنا ردت إلينا" " انتهى كلام الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله بشيء من الاختصار والتصرف
    .


    عملالدعوة :

    نحن بصدد بحث حاجتنا إلى عمل الدعوة, وهي حاجة لا تقل بأدنى أحوالها عن حاجة العطشى للماء
    .
    إن الدعوة هي في أدنى أحوالها حاجة الروح، وهي النور الذي
    يهدي الله به الخلق إلى صراط مستقيم.
    فهي إذن أول ركيزة للإسلام، وهي أول شروط التكوين الإسلامي، وهي صرح السعادة في الدارين.
    لقد أغفلت الدعوة, واشتغل الناس
    في حوائج الدنيا, واشتغل العلماء في البحوث والمصنفات وتزيين الكتب بالغلافات, وانتشرت دور النشر والكتاب, وظهرت أفكار ودراسات وكتب تحدثت في كل أمور الحياة الدينية والدنيوية وكثرت الوسائل الحياتية, وأصبحت الدنيا في أكثر الأحوال هي مبلغ العلم وغاية الإرادة, فالوالدون يحثون أبنائهم قائلين: يا بني أريدك طبيباً, يا بني أريدك صيدلانياً, يا بني أريدك محامياً، وأريدك تاجراً، وأريدك وأريدك أريدك !!
    نمت هذه الأفكار المادية، وأصبح الناس عبيداً لشهواتهم ورغباتهم، وتطوير
    حياتهم، وتزيين منازلهم، وتعليق شهاداتهم التحصيلية في الأماكن البارزة من البيت... وكل هذا في غفلة عن الآخرة، وفي ضلالة عن الدرب إلا من رحمه الله.
    وبدأت الحياة
    بالتناقضات في الفكر في الآداب وفي الدين وفي العلوم, والسباق على المناصب في خداع من الدنيا واختلافٍ في الاتجاهات الدينية, ولم تبقى فكرة في رأس إلا ولها تناقض في راس آخر, وأسباب هذا التناقض كثيرة منها: تنوع الحضارات التي تسبب بها طلب العلوم الدنيوية في بلاد المشرق والمغرب فمن دولة جاءنا خريجون يحملون طابعا حضاريا معيناً له اثر في تناقضات حياتنا ومعاملاتنا، في التجارة والمخترعات وتحديث الآلات والتكنولوجيا والعلوم الحديثة, وشبابنا يسارع الزمن للحاق بمن سبقه في هذه المجالات فأنبت حَيْلُة وهو يركض ولم يدرك شيئا واعترف بالهزيمة النفسية والحضارية, فركن إلى عيادة إن كان طبيباً واكتف بما يقرأ في المجلات الطبية ومتابعة مخترعات الأجانب، وكيف يحصل على الأجهزة من بلادها، ليزيد دخلُه ويحسّن مستوى معيشته، وينتقل من بيته إلى بيئة أرقى, وهذا الحال في كل مستويات العلوم حتى في العلوم الشرعية أصبح العلماء والدارسون وحملة الشهادات العليا في العلوم الشرعية اصبح هم أكثرهم كيف يصل إلى منصب سياسي أو جامعي, أو اشتغلوا في التأليف والمحاضرات واكتفوا بأن لكل منهم مجموعة من الطلبة يقدمون الدارسات أو أن لهم وظائف في إحدى الوزارات وكما قلت لكم إلا من رحمه الله.

    في كل هذه الأحوال والتناقضات والصراعات الدنيوية, لا بد من أن يظهر تجديد وأن يظهر أسلوب ذو فعالية مجددٍ للأنماط المشتهرة وفكرةٍ جديدةٍ قديمةٍ يستيقظ بها النائم، ويجد إليها المجتهد، ويسعى إليها جميع طبقات الناس بكل علومهم واتجاهاتهم العلمية, ولتسخر هذه كلها لفكرة واحدة، ودعوة واحدة، ويقين واحد.

    قد حضر فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله إلى الأردن كما ذكر سابقاً وألقى علينا درساً في مركز الدعوة (مدينة الحجاج) وكان يرافقه يومها كما أشرت سابقاً فضيلة الشيخ محمد إبراهيم شقرة, فتحدث عن شخصية الداعية وصفات الدعاة، وشجعهم وأثنى عليهم, وتحدث معنا عن رفقته للشيخ محمد الياس والشيخ محمد يوسف رحمهم الله, وقال: إني أعرض عليكم هذه الفكرة يا أبنائي … يجب أن تعلموا أنكم مهما اجتهدتم في تحصيل العلوم والثقافة والتكنولوجيا فإنكم لن تدركوا الغرب … والسبب أن هذه هي علومهم، وأنتم حين تتعلمونها تأخذون أفكارهم وكتبهم ومختبراتهم, والذي يعرضونه عليكم اليوم قد يكون مر تطبيقه في حياتهم أعواماً كثيرة, وفي اليوم الذي تصبحون أنتم باحثين في هذا العلم يكون علماؤهم قد طوّروا هذه العلوم, فما تكادون تصلون إليه أنتم حتى يكون عندهم خبراء متفوقون ومتطورون فلا تستطيعون إدراكهم أو اللحوق بهم. أمّا
    أنتم فمعكم البضاعة الأغلى, ومعكم ما هو أرقى مما عندهم، ومعكم ما تسبقون به علمائهم، فلو عرضت عليه بضاعتك، وتناقشت معه، سوف تغلبه, وإليكم هذا المثال:
    لو
    سألته عن مبلغ علمه واختراعه وكم سيدوم هذا ومتى ينتهي؟ سيقول لك: إن هذا للبشرية... ولربّما هو دائم بدوامها, فإن انتهت الحياة سينتهي علمه واختراعه من غير أن يزيد في عمر الدنيا أو ينقص منها, ولربما يأتي آخر بما هو أفضل فينتهي الانتفاع بعلمه بعد سنوات ويصبح الذي كان يقال عنه قبل عشر سنوات هو الأفضل؛ يصبح الآن فيه الضرر...

    إذن فإن اختراعاتهم وعلومهم محدودة ولا يستفيد منها هو إلا في حياته
    فقط,
    أمّا أنت فإن تحدثت معه عن التوحيد (وهذه بضاعتك الراقية الدائمة مدى
    الحياة) وما بعد الموت عند المحشر وعلى الصراط عند الجنة والدرجات حتى تلقي الله وتراه لا تضام في رؤيته, فأنت تجتهد في تزيين التوحيد له فتحسن صورة الإسلام في عينيه، وتعظّم الصلاة أمامه، وتحبّب الله عز وجل له فسوف تكون أنت فوقه, وعلمك فوق علمه... ويكون هو والتكنولوجيا والعلوم التي معه خادماً لدعوتك مسخراً لخدمة الناس والخلق, فيستفيد بحسن عقيدته من هذه العلوم في الدنيا وفي الآخرة.

    فمن هو المتقدم ومن هو صاحب الفكر الأعلى المتطور الذي يحمل فكرة وعلماً يُنتفع به إلى مالا نهاية ؟! أم من يحمل شهادة دكتوراة تنتهي فائدته بها بعد الموت مباشرة, أجب بنفسك يا بني؟! اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا.


    حملتُ هذه الفكرة في رأسي منذ أكثر من عشرين سنة وأنا أتفكر فيها، وأتكلم بها أمام الناس، وأحثهم عليها, وأكررها في المجالس, وأسمع آرائهم, فمنهم من تسعده ومنهم من لم يتأثر بها, ولكني في هذا الوقت وجدت نفسي أعرضها عليكم في هذه الفقرة من هذا البحث, حيث اقتنعت أن قاعدة التوحيد هي ما حقق إزالة التناقضات, وأن الدعوة هي جامع الأفكار والعلوم مهما كان اتجاهها أو نوعها، الدعوة إلى الحق والتوحيد هي إزالة التراكم الهائل من التناقضات في سائر مجالات حياتنا وهيئاتنا وعلمائنا وزعمائنا وشبابنا وشيوخنا، وفي توحيد أفكار الدعاة, حتى عندما يتساءل الناس في مشارق الأرض ومغاربها فإنهم يتحدثون عن الدعوة بأسلوب واحد، ويتحدثون عن صفات الدعاة, فلا يجدون تناقضاً, عند ذلك فقط تزدهر الدعوة .


    قبل الشروع في كتابة هذه البحوث بأيام قمنا أنا وبعض إخوتي من الدعاة بزيارة لأحد الإخوة في بيته (وهو من أشرت إليه في البداية, وهو الآن من كبار شيوخ السلفيين ويدير مع بعض رفاقه مركز الشيخ الألباني رحمه الله) وتحدثنا معه عن بعض الأحوال، وعن فكر الدعوة، والذي هو من أكثر العالمين بهذا الفكر, فقال في مجرى حديثه: انكم ولا شك أهل صفات طيبة وتواضع، ولكم أثر في الناس، ولكن ينقصكم المنهج المكتوب, نريد أن نرى شيئاً مكتوباً عن الدعوة وفكرها وآدابها وأدلتها, حتى نتمكن من الحكم عليها,
    ونحن نشكر له هذه المجاملة اللطيفة، ونشكر له حسن
    دعوته لنا لزيارة أخرى واستقبالنا وسماع أخبارنا، ولكن فكرت كثيراً بهذه الكلمات وبحثتُ فيما يقع بين يدي من الكتب لعلي أجد تحديداً لفكرة الدعوة, وأن أجعل لها قواعداً وشروطاً وركائزاً أولاً وثانياً وثالثاً إلى آخره, فقلت: أبدأ بخير الكلام: كلام الله تعالى لعلي أجد شروطاً للدعوة والدعاة في كتاب الله، فقرأت آيات الدعوة, فوجدتُ أن هذه الآيات لا تقبل الحصر في نطاق معين، ولكني وجدتها تنبض في كل حال من أحوال الدعوة والدعاة.

    انظر معي أخي رحمك الله في هذه الآية { أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم المهتدين } (النحل125) , قرأت في كتاب (روائع من أدب الدعوة في القرآن والسيرة) لفضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي ما كتب في فهم هذه الآيات فقال: " ان الله تعالى قد أطلق فكرة الدعوة بدون تحديد، ولا عيّن شيئاً خاصاً، كأن يُبيّن للدعاة أني أدعو إلى الإيمان فقط، أو تدعوا الناس إلى العقيدة الصحيحة فقط, أو إلى الحث على الصلاة فقط, أو تدعون إلى مكارم الأخلاق فقط, أو إلى الفضيلة فقط, أو تدعون الناس إلى الشعور بالكرامة الإنسانية فقط. فتأمل أن سبيل ربك يحمل كل هذه المعاني مجتمعة، وحيث الحال الذي أنت فيه اختر بعض هذه الفضائل الدعوية وارتقى بها, وأدخلها إلى قلب من تدعوه, ثم عرّفه على عظمة من تدعو إليه, ان (سبيل ربك) يمتد ويسعُ الآفاق فإن كنت داعياً فاستحضر الإعجاز الكامل في قوله تعالى: {أدع إلى سبيل ربك} فإن (أدع) في قوله تعالى لا تختص بالخطاب ولا الكتابة ولا بالوعظ والإرشاد والنصيحة... وقوله تعالى (أدع) أي قم بالدعوة … والدعوة عامة تشمل هذه المعاني وهذه الأساليب كلّها, فأي كلمة أوسع أفقاً وأعظم إطلاقاً من قوله: {أدع إلى سبيل ربك}, ولكن جاء تقييد أفعالك وأقوالك في نطاق الدعوة, فقال تعالى: {بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} فقد اختار لك ربك أرقى وأروع الصفات، فالحكمة كلها رائعة لا يفهمها إلا أهل اللسان العربي المبين، فهي لا تترجم إلى لغة أخرى, ولعل من أراد أن يُفهمها للناس يحتاج إلى بيان كامل حتى يُدخل معناها إلى أهل اللغات الأخرى
    .
    وكذلك الموعظة والحسنة: إنها كلمات مطلقة لا قيد لها ولا حصر لها في
    نظام معين, فقد جاء القرآن بهذه الكلمات المعجزة الموجزة في سياق الآيات التي تتحدث عن أكبر داع من الأنبياء وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام, وقد أشار الحق جل وعلا إلى أن إبراهيم استعمل كل هذه المعاني في دعوته, فقد جاء السياق: {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم، وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين، ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، إنما جُعل السبتُ على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}, إن هذه الآيات ذات صلة خاصة بإبراهيم عليه السلام ودعوته هناك رباط قوي يربط بين إبراهيم عليه السلام وبين أمر الدعوة, إنه بيانٌ رائعٌ لصفات سيدنا إبراهيم عليه السلام ولأخذه بهذه الصفات وهذا المنهج لدعوته ملتزما بهذا الأدب الرفيع والخلق الجميل, فكانت دعوته مبنية على الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي احسن(انتهى بتصرف من كتاب روائع من أدب الدعوة).

    أين نبحث عن منهج للدعوة أفضل من هذا المنهج؟ وأين نجد من يؤدّبنا بأدب الدعوة خير من هذه الآيات؟ إن أمر الدعوة عميق والدعوة واسعة جداً ولا مساحة زمنية أو مكانية وكلتاهما واسعتان, فالزمن يبدأ منذ نشأة صاحب هذه الدعوة ومصدرها إن كان نبياً وكان مجدداً ومؤسساً لدعوة كبيرة ثم إلى ما لا نهاية… وأمّا مكانها فيمتد من مشارق الأرض إلى مغاربها، فإن تمرّن الداعي على تكلم الصفات والمنهج كما أشرنا في ملة ومنهج إبراهيم عليه السلام فالشرق والغرب حقلٌ لدعوته وأرضٌ خصبةٌ لبذر بذور الدعوة, وحينئذٍ يتحد كلام الدعاة في المشرق والمغرب.


    إذن فإن القرآن الكريم وهذا من إعجازه, لم يتعرض لأحكام تفصيلية في موضوع الدعوة وإنما وكلها للعقل السليم والذوق المستقيم والعقيدة الراسخة والفكرة المتغلغلة في الأحشاء, ثم أحاطها بسياج واسع وهو السياج الوحيد الذي يستطيع أن يحيط بالدعوة, وهو قوله تعالى: {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} من هنا ينطلق الداعية غير مقيدٍ إلا بما جاء في الآية الكريمة ونحوها, غير خاضعٍ لقانون مرسوم ولا لأحكام مضبوطة للدعوة,
    فالدعوة لا تخضع لقوانين مرسومة فهي تعتمد على الظروف والأحوال واختلاف صفات الناس واتجاهاتهم الفكرية
    .

    وأهم ركن في هذه الصفات هي سرعة البديهة ورجاحة العقل عند الداعية عندما يتعرض لحال من الأحوال المذكورة فبفطنته وسرعة بديهته وذكائه يعرض دعوته بالحكمة. وإذاً ما دامت الدعوة تعتمد وتقصد مكافحة المرض وإزالة الضعف في النفس البشرية والإنسانية فلا يصح أن نقول: يجب على الداعية أن يفعل كذا وكذا ويتحكم بكذا ويظهر بالمظهر الفلاني, فنقول: تنطلق الدعوة من الخط الفلاني إلى الخط الفلاني ولا تتعدى هذه الحدود.

    وقد ساق فضيلة الشيخ أبو الحسن الندوي مثالاً قد تورط به سيدٌ مع عبده الذكي الفطين حين قال له: أنت عبدي وعليك طاعتي فيما آمرك به,
    قال العبد: ولكن يا سيدي لا بد أن تعطيني قائمة بالأوامر والأعمال التي يجب أن
    أقوم بها! فكتب له قائمة بالأعمال الصباحية والمسائية, وعند الطعام, ووقت الصلاة, ومع الضيوف، وخدمة البيت، والمال والحلال، وقد نسي بقية الواجبات, فعلق يوماً بالركاب حين أراد أن يركب الحصان وأصبح معلقاً في سرج الحصان من قدمه ورأسه إلى الأرض، ولئن انطلق به الحصان وهو في هذه الحال هلك لا محالة, فنادى على عبده لينقذه مما هو فيه, فقال له العبد بعد أن اطلع على قائمة أعماله فلم يجد فيها انه مكلف بإنقاذ سيده إذا سقط عن حصانه فاعتذر لسيده قائلاً: إن هذا ليس من واجباتي. فالداعي أيها الاخوة يجب أن يكون أكثر ذكاء من هذا السيد فيجب عليه أن لا تُعييه الحيلة والفطنة في موقف من المواقف، وعليه أن يكون على جانب من سلامة الفطرة والانتفاع بتجارب الحياة كقول الشاعر:
    إذا كنت في حاجة مُرسلا فأرسل
    حكيماً ولا توصه
    وما أروع أن تكون صفات الدعاة إلى الله كصفات إبراهيم عليه
    السلام, ويكون منهج الدعاة إلى الله كمنهج إبراهيم عليه السلام, وحال الدعاة إلى الله تعالى كحال إبراهيم عليه السلام.

    وإذا أردنا أن نستخرج هذه الصفات من سياق الآيات نقول:

    1- {إن إبراهيم كان أمة} : أي إماماً يحمل هم الناس جميعا ويريدهم على أتقى رجل حتى ينالوا رضا الله... ألم تر أن دعوته للحج قائمة إلى يوم القيامة مثلا.

    2- {شاكراً لأنعمه} : شاكراً لله على هدايته له وهداية الناس على يديه.

    3- {اجتباه} : اصطفاه واختاره الله تعالى, ليكون قدوة للدعاة إلى يوم الدين.

    4- {وهداه إلى صراط مستقيم} : إن الداعي إلى الله أول من يتحصل على الهداية.

    5- ونتيجة لهذه الأعمال والصفات {آتيناه في الدنيا حسنة} وحصل على المقام المميز يوم القيامة {وإنّـه في الآخرة لمـن الصالحين}.


    6- والمطلوب منك يا أيها الرسول (محمد صلى الله عليه وسلم) أنت ومن اتبعك أن تكونوا على هذا المنهج في الدعوة {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم} فاسلك الطريق الذي سلكه إبراهيم عليه السلام فإنك إن فعلت تكن أنت ومن تبعك على صراط مستقيم.


    وما طريقته عليه السلام؟ الجواب: {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} وقد فعل وشهد له الحق جل وعلا, فقال جلّ من قائل سبحانه: {وانّك لعلى خلق عظيم} وقال تعالى: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك} وشاركه الصحابة الكرام في ذلك, وتحققت في حياتهم الصفات التي تميز بها أصحاب النبي, وتخلّقوا بأخلاق النبي, ودعوا بدعوته, وأصبحوا منارات يهتدى بها في أبحر الحياة، وما زلنا نستنير بسلوكهم وصفاتهم ونعتني بأسمائهم ونعرف فضلهم وعظيم تضحياتهم, واتخذنا لنا اسماً جماعياً حين تسمينا (سلفيون) فهم سلف الأمة, ونحن إن شاء الله خلفهم نفهم منهجهم كما فهمه الصالحون من قبلنا, وندعوا الناس بدعوتهم ليحملوا هذه الصفات الإيمانية .

    أخي الحبيب: تدرّب على اكتساب الدعوة وصفات الدعاة من سيرة الأنبياء صلوات الله عليهم والصحابة والصالحين رضوان الله عليهم من بعدهم … اقرأ المغازي والسِّير وانتهج منهجهم وخير ما وقع بين يدي مستقى من كتاب الله وسنة نبيه, ما أبدع في كتابته فضيلة الأستاذ أبي الحسن الندوي في مجموعة محاضرات رائعة جمعها فضيلة الأستاذ محمد رابع الندوي في كتاب (روائع من أدب الدعوة) فعليك به أخي وسوف تجد ما ينير طريقك في الدعوة إلى الله على نهج النبوة ومسلك الصحابة والتابعين
    .

    عرض الدعوة على العلماء وقلة استجابتهم بادئ الأمر:

    تزامن ظهور هذه الدعوة في وقت كثرت فيه الأفكار والاتجاهات مع انتشار الآراء والأحزاب السياسية والدينية، والتي غلب على صفاتها الفشل … فظن كثير من الناس والعلماء أن هذه الدعوة كأخواتها وسابقاتها,
    وسبب هذا الظن هو: بُعدهم وانتشارهم في الولايات الهندية ووصول
    الأخبار إليهم عن هذه الدعوة ليس كما يجب.

    فلذلك كان اكبر أمل عند الشيخ محمد الياس رحمه الله هو أن يحمل أهل العلم وطلبته هذا الفكر وينشرونه في المدن والقرى, لذلك شُكلت الجماعات إلى المدن المعروفة والمشتهرة بدور العلم والعلماء, وكان يوصي هذه الجماعات ألا يتحدثوا مع العلماء، ولا يعرضوا عليهم الدعوة، ولكن يجتهدوا في القرى والأحياء حول المعاهد الدينية والجماعات، فأرسل الجماعات إلى سهارنفور وديوبند وغيرها، ولكنه كان يزور العلماء ويحدثهم وكان يقول في ذلك: " لا أدري أيّ قوة أستخدمها للإفهام والإقناع, وبأي لسان أصارح, وبأي قوة أثبت في ذهني, وبأي حيلة أحوّل المعلوم البديهيَّ الواضحَ كلَّ الوضوح مجهولاً أو أجعل المجهول معلوماً‍ ؟ إني أؤمن إيماناً كاملاً بأنه ليس هناك (سد سكندري) عالٍ أمام هذا التيار الجارف والسيل العرم من الفتن العمياء والظلمات المتراكمة … إن إيماني بالمساهمة في هذه المحاولة التي نهضتُ بها بكل قوة وبكل حماس وعاطفة وبالقلب والقالب وبصرف كل جهد وعناية إليه, كفيل بأن يتصدى لذلك ".

    لقد كان من معارضي الشيخ إلياس كثير من العلماء، ومنهم من تصدى لهذا العمل، ومن مخالفيه كذلك ولده الشيخ محمد يوسف رحمه الله وكان يبتعد عن والده، إلى أن شرح الله صدره لهذا العمل, فما إن قضى الشيخ محمد إلياس أجله حتى قام الشيخ محمد يوسف رحمه الله بأعباء الدعوة, وكثُر أهل العلم في بلاد الهند والعلماء والمدارس تفهماً لعمل الدعوة، وأصبحت تلك المدارس تُخرّج الحفّاظ وأهل الحديث والفقه، ثم تجعل نهاية دراستهم النظرية خروجاً في سبيل الله مع الجماعة للتمرن على عمل الدعوة.


    إن الخريجين من ندوة العلماء، ومن كلية الدعوة فيها يخرجون سبعة أربعينيات (يسمونه نصاب العلماء) فعلمنا بفضل الله أنهّم الآن يقومون بهذا العمل, نسأل الله أن يسدد علمائنا ويشرح صدورهم لذلك ويُرَغِّبوا طلبة العلم للتمرن على عمل الدعوة, وأن يخرجوا في سبيل الله مع أهل هذا السبيل ليتفقهوا ويُفقِّهوا غيرهم, ويصبح لواء الدعوة إلى الله بأيدي العلماء وطلبة العلم, فتقوى الحجة, ويظهر البيان، ويعلو التوحيد، وتستقر العقائد، وتخشع القلوب، ويتواضع المتعلمون والدارسون, لتفهيم الناس وتعليمهم وقيادة فكر الدعوة.


    لقد قام على تأسيس هذا العمل رجال من علماء الهند كما ورد ذكرهم في صفحات الكتاب، ولا أظن أن عملاً يملأ الأرض طولاً وعرضاً ودعوة يحتشد لها الملايين في اجتماعاتهم السنوية في الهند وباكستان والبنغال وبلاد العرب وخاصة الأردن (لا يفوتني أن أذكر أن الاجتماع السنوي في الأردن قد تزامن مع كتابة هذه الصفحات, حيث الاجتماع سيكون يوم 24\5\2002م) وفي أمريكا وأوروبا اجتماعات سنوية يخرج فيها الناس في سبيل الله إلى أنحاء الأرض بالآلاف, يحملون عقيدة التوحيد, ويُظهرون عظمة الله, ويحيون السنن, ويميتون البدع, ولسان حالهم يقول:" انشروا المعروف بذكره, واجتنبوا المنكر بهجره", ويُعلّمون ويتعلّمون على الرغم من قِلّة علمهم وبساطتهم...


    ولكنه الآن وفي هذه
    السنوات توارث أبناء الدعاة رسالة آبائهم, وأصبح الآن من أبناء الدعاة علماء في الدعوة وحفّاظ قرآن وسنن, وأصبح صفة الخارجين في سبيل الله يغلب عليها كلام العلم والفقه والأسلوب العلمي علمية, فجمع الله تعالى لهم العلم والعمل، ولم يعد من عوام الناس والأميين الذين تأثروا بادئ الأمر وخرجوا واكتسبوا الخبرة إلا أن يسعدوا بأنّ أبناءهم أصبحوا علماء وحفّاظ قرآن ويخرجون في سبيل الله على بصيرة وعلم.

    أما المتشددون, والذين حرموا دراسة مادة الدعوة عملياً, والذين يكيلون التهم والبدعية على أهل الدعوة فحسبهم الله، وأظنهم لقلة اطلاعهم لا زالوا يصفون هذا العمل أنه قائم على رجال قليلوا الحظ في علوم الدين والدنيا، وما زالوا لا يرغبون في فهم ودراسة أفكار الدعوة، وهم يعلمون أن القائمين عليها علماء، وأن مؤسسيها علماء، وأصبح الكثير من أبنائهم علماء … ولكن في نظر هؤلاء ليس هناك علماء إلا من يذكرونهم.

    ولقد كان من أحد دروس العقيدة التي جلسنا لها نتعلم أنّ من عقيدة أهل السنة والجماعة احترام العلماء وتقديرهم والسكوت على ما يشاع عنهم من أنهم أخطؤا في مسألة معينة، ويبقى أن لهم الفضل في ما قدّموا للأمة من نتاج علم في العقيدة والفقه والتفسير والحديث واللغة. ولكن مالي أرى هؤلاء القوم يجعلون هم أنفسهم في إنكار العلم والعلماء إن لم يكونوا من تلاميذ الشيخ فلان أو علان!!


    لم هذا التعصب للشيخ ؟ وعدم سماع أو قراءة أخبار العلوم من مصادر أخرى ومناهج أخرى؟ ويكون الردّ عليها بما يتفق مع حسن الآداب واحترام العلماء كما تعلمنا منهم...


    فإني كنت أراقب الجلوس في حلقات دروس العقيدة, فأجد أن أكثر الجالسين فيها بعد اتباع الشيخ هم جماعة الدعوة وشباب الدعوة, ويا أسفاً فإن الشيخ يسلم علينا بعد الدرس, ويقول لنا:" أنتم بركتنا, وأنتم تعملون كذا وكذا, فجزاكم الله خيراً "، وبعد أيام تأتينا الأخبار عن هذا الشيخ أنه ينهى بعض الشباب عن الخروج معنا بعد أن جئنا بهم من الأسواق وملاحقة الفتيات إلى طاعة الله وتربية المساجد... !

    لماذا يا إخوتي في العقيدة نكون في وجهين وفي حالين, مع أن دعوتنا مشتركة وعملنا واحد يخرج من مشكاة واحدة وان اختلفت التسميات؟!
    فإن قلتم عقيدة السلف وقلنا حياة الصحابة, وقلتم
    سيرة السلف وقلنا صفات الصحابة... ما الفرق ؟

    نحن نربي أنفسنا على صفات الصحابة, وأعلى هذه الصفات صفة التوحيد والإعتقاد, فالتربية عند طلبة العلم تختلف نوعاً ما عنها عند عوام الناس، فطلبة العلم وأهله يدرسون ويتربّون على أسس من العقائد والفقه والأصول ودقائق العلوم، حتى يتمكنوا من كشف الشبهات وبيان الحقائق وردّ الشروح إلى أصحابها وبيان أنواع الحديث... هذه علوم وفق الله لها العلماء وطلبة علم يتابعون ما كتب وما اندثر من العلوم ويصحّحون الحديث وما إلى ذلك من جهد وعمل فجزاهم الله خيراً .


    وأمّا الدعوة فإنهم يدرسون هذه العلوم, ويعملّون على تيسيرها للعوام ويعلمونها للناس بِيُسرٍ, حتى يتمكن الناس من فهم ذلك، ثم يصبح لديهم الرغبة في العلم والتعلم ويجلسوا إلى العلماء ويتربون على منهج السلف الصالح. نحن نتحدث مع الناس من كل الطبقات، ونبسُط لهم ما وفقنا الله لفهمه من عقائد السلف وصفاتهم وأحوالهم ودعوتهم، وبأسلوب ترغيبي ووعظي

    وقد صلح على هذا المنهج خلق كثير, وأصبح منهم طلبة علم ودارسون ومثقفون يرغبون في فهم العقائد رغبة و رهبة... عندما
    تفتحت مداركهم لفهم كلام الله تعالى, وكلام رسوله, وسيرته, وأصحابه, والتابعين, وحسن اعتقادهم.

    منهج الدعوة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    بالتأمل فيما قرأتُ من بعض الكتب التي تشكك في هذا العمل؛ وجدتُ كثيراً من هذه الكتابات لم تبُنَ على أساس علمي أو منهجي من الدراسة والخبر، ولكن تعتمد على الظن والنقل غير الموثوق والحكم بظاهر من القول على هذه الدعوة بالبدعية والضلال دون تحقيق ولا تمحيص، ولمجرد ما يُشاع عن الجماعة، أو ما شوهد من بعض أفعال وأقوال بعض الرجال الجدد الذين خرجوا مع هذه الجماعة أو صحبوها لوقت قصير، ولم يتمكنوا من فهم أصول هذا العمل... علماً بأنه قد صحب الجماعة بعض من أهل العلم وطلبته وقتاً طويلاً، ولم يَرَ مخالفة واحدة ممن خرج معهم، ولم يَدْعُهُ أحد إلى بدعة أو مخالفة، كما يذكر ذلك بنفسه أكثر من ثماني سنوات، إلاّ ما كان من أخطاء بعض الجدد كما ذكرنا, وحين نُقلت إليه بعض الأقاويل، إعتمد قول من قال بتبديع الجماعة.

    وآخر لا يعلم عن الجماعة شيئاً يكتب ويقول: "إني لم أدرس الجماعة, ولا أرغب في ذلك" ومع ذلك أجاز لنفسه أن ينصب نفسه قاضياً يحكم على سلوك وصفات الجماعة بغير علم ولا دراسة, أليس من الظلم ومن كبير المقت أن نقول على الناس شيئاً لا علم لنا به... ولم نصحب الجماعة ؟ ونصف حالهم العقديّ أو نرميهم بالبدعة ؟ أو أن نرى من يصحبهم ردحاً من الزمن ولا يجد عندهم إلا الخير والسنة، ثم يحكم عليهم بقول قائل وينسى صحبته لهم؟!

    أيها الأحبة لا بد من العلم والتواضع، ولا بد من التأني والإنصاف كي نفهم دعوتنا، وليس هناك أسرارٌ في عملنا ولا دعوتنا، فنحن نُظهرها جلية كما فعل الأولون بفهم، وليس لدينا باطنية نخفيها عن الناس, نحن ندعوا إلى الله عز وجل بالحكمة ولين الجانب والصبر على الأذى, ونحن نخرج في سبيل الله, ونزور الناس في بيوتهم وأنديتهم ليس بيننا وبينهم سابق معرفة ولا علاقة ولا نعرف عن أحوالهم شيئاً، ولكنّا نعرض دعوتنا من غير أن نسأل عن ماضيهم، وذلك بسبب انتشار الجهل في كثير من الأمور الشرعية والعقائدية بين الناس... وحين ندخل إلى بيوت هؤلاء نغض أبصارنا عن الحلال والحرام، ثم نتحدث مع هؤلاء الناس عن عظمة الله تعالى وتضحية الأنبياء صلوات الله عليهم، وتضحيات الصحابة الكرام رضي الله عنهم ونجتهد على إخراجه من بيئة الغفلة والشهوات والزينات المحبوبة في قلبه إلى بيئة الإيمان والرحمة.

    إنّ هذه الزيارة القصيرة والتي لا يزيد وقتها عن عشر دقائق لا يتسع المقام أن نشرح فيها عقائد السلف وبيان أصول الحديث، وإنما يكفي فيها الكلام عن آية أو سورة قصيرة، كسورة العصر مثلاً في بيان الخسران لمن لم يلتزم العمل الصالح والإيمان والتواصي بالحق والصبر, هذه الزيارة تتحقق فيها الصفات المذكورة في السورة لنا ولهم إن أراد الله به خيراً، فإن خرج معنا إلى المسجد لأداء صلاة تحقق لنا العمل الصالح بزيارته، وتحقق له العمل الصالح بخروجه إلى المسجد، وبهذا عندما يجلس لحضور الصلاة ولسماع درس في الإيمان فإنه يميل قلبه بإذن الله إلى الطاعة.


    إنّ من حكمة الدعوة إذا رأينا في بيته شيئاً من المنكرات- كالزخارف والصور, وفي بعض الأوقات التماثيل - فإننا نسكت عنها منكرين ذلك بقلوبنا، وليس إقراراً منّا على وجودها وليس تعظيماً له, ولكنها حتى الآن هي محبوبة من محبوبات حياته، وعظيمة في قلبه، كيف لا ؟ وبجهله بحرمتها بذل من أجلها الوقت والمال وفرح بإحضارها من مكان كذا، ويفاخر بها أقرانه من الناس إن علم أنه لا يوجد مثلها في بيوتهم، وفي لحظة ما دخل إلى بيته هؤلاء المشايخ الذين ربما لا يملكون ثمن قطعة القماش التي تُمسح بها هذه الصور أو اللوحات أو التماثيل... فيقول هذا الشيخ للمزور: ألا تعلم أن هذه الأصنام والتماثيل محرمّة, ولا يجوز لمسلم أن يضعها في بيته, وهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإني آمرك أن تحطم هذا الصنم وتخرجه من بيتك الآن, وأن تتقي الله أيها الظالم المعتدي على حرمات الله, كيف تدخل الجنة وهذه الأشياء معظمة في قلبك ونفسك ؟ ترى ماذا سيقول الرجل؟ هل سيقول: سامحوني والله لم أكن أعلم، أرجوكم إحملوها وحطّموها بأنفسكم!! وأنا سأقول : "قل جاء الحق وزهق الباطل", أم أنّه سوف يبدأ باللعن والسباب والشتائم، وتخيل أنت ما سيصيب الدين وأهل الدين وأصحاب اللحى من الطرد من البيت وزيادة عصيان الرجل.


    بالله عليك يا أخي كن منصفاً, أي الطريقين أحق أن
    يتبع ؟
    لذلك نحن نُرغب ونُرهب بالحكمة, وإذا كان الحديث عن تحطيم الأصنام في درس
    عام أمام الناس بمن فيهم هذا الذي أكرمه الله بالمجيء إلى المسجد, فذلك خير، فأصنام قوم إبراهيم عليه السلام حُطّمت في مجامعهم، ولكن إبراهيم عليه السلام لم يحطم الأصنام التي كانت تُصنع في بيت أبيه، ولم يخاطب أباه بالقسوة والجفوة, بل كان يقول له: {يا أبت إنيّ قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبّعني أهدك صراطاً سوياً، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً}, ولمّا لم يستجب له أبوه ماذا قال له: {سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً}, والآن بدأ إبراهيم مرحلة جديدة: {واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألاّ أكون بدعاء ربي شقياً} (مريم), وبدا لإبراهيم عليه السلام أنه لابد من الحرب على هذه الأصنام: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة أني أراك وقومك في ضلال مبين} (الأنعام), وبدأت المجادلة والمحاجّة وبيان عظمة الله وتصغير هذه الأصنام وتصغير الشمس والقمر والنجوم وقصّة تحطيم الأصنام. حققّ إبراهيم عليه السلام توحيد الألوهية والربوبية والصفات تحقيقاً كاملاً في أفعاله أمام أبيه وقومه وآلهتهم: بالصبر على الأذى الذي هو قادم.

    الذي تخرجه من أصنامه ومحبوباته وتسمعه مع بقية الناس هذا الكلام ومثله، فإنّه يرجع إلى بيته متفكراً تتصارع في نفسه محبة الله عز وجل ومحبة الأشياء... فإن أراد الله به خيراً وفّقه إليه كما حدث لكثير من الناس ممن عرفت, فإنّي رأيت من الناس أصحاب حانات ومنتزهات كانت مقراً للفساد وتجارة الخمور ونشر الأخلاق الدنيئة، فلما زارتهم الجماعات وسمعوا كلام الله ورسوله, تركوا هذه الأعمال, وباعوا هذه المحلات بأزهد الثمن, ورجعوا إلى الله دعاة إليه.


    فإن أحببت أخي أن تسمع وترى أُناس قد منّ الله عليهم بسبب زيارة أصبحوا أهل عقيدة حسنة ونبذوا أصنامهم ومحبوباتهم نادمين على ما فاتهم, فما عليك أخي إلا أن تحضر إلى أحد مراكز الدعوة وتسأل أي شخص تقابله كيف اهتدى؟ وكيف كان وكيف أصبح ؟


    نحن نطرق أبواب الناس عامة، وندعوا إلى الله, ولكن قبل أن ندعوهم هل يجب أن نسألهم إن كانوا أشاعرة أم ماتريدية أم جهمية أم كانوا على عقيدة السلف أم حلولية أو اتحادية وما إلى ذلك؟؟ فإنّ هذه الزيارة ليس فيها متسع لذلك, ولا يصح أن يكون... ولم نجد على الأبواب إعلاناً من أهله أنهم أصحاب عقيدة أشعرية أو ماتريدية... فتأمرهم بترك الضلال والعودة إلى الفضيلة, ولكن إذا حصل خلال زيارتنا أن تقابلنا بمن يعلن عن عقيدة تخالف عقيدة السلف الصالح وما نحن عليه؛ فإن ذلك يكون يوماً يُعلن فيه أن أصحاب هذا العمل: عظيمٌ عندهم التوحيد … عاليةٌ عندهم كلمتُه، يُبيّنون عظمة الله، ويحاجّون أهل الباطل فرادى وجماعات. وان جاء الوقت والتقينا بأحدهم - كنت أخي حاضراً - فسوف نتحاور, وتشهد بنفسك أنصار الحق من أنصار الباطل,
    فأهل الحق يبحثون عمّا يجمع الصفوف ويوحّد الكلمة والفكر والعقيدة دون أن
    يكون هناك مساس بأصل الاعتقاد... ولن نسمح لأحد أن ينشر عقيدةً فاسدةً بين صفوف الدعاة، وإن كان من أكابر المشايخ، ولكن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها إلتقطها.

    ونحن كذلك نعمل في المساجد في أنحاء العالم ونرى من يناقش ويجادل... ونجد من يدعو إلى ضلاله, فنحن معه أحد اثنين, إمّا ذو علم بمنهجه فنحاوره ليظهر الحق بإذن الله, أو على جهل بمعتقده ولا طاقة لنا بمحاجّته فأتركه ناصحاً له بما أعلم ولا أخوض بما ليس لي به علم .

    الصفات في منهج الدعوة:


    لقد أصبح
    معلوماً بفضل الله تعالى في أوساط الناس كافة وبجميع اتجاهاتهم أن أهل الدعوة والتبليغ هم (جماعة الصفات) حتى قيل عنهم أنهم استبدلوا أركان الإسلام كما بينها الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالأصول الستة كما كان يسميها الذين خرجوا في سبيل الله قديما,ً ولمّا تعارض هذا اللفظ في ظاهره مع أصول الدين رجع أهل الدعوة عن هذا اللفظ، وإن كان للناس أن يضعوا أصولاً يصطلحون عليها خاصةً بهم ولمناهجهم في جميع الأحوال الدينية والدنيوية, دون أن نجد من يعارض ذلك… ومع هذا فإن عمل الدعوة شديد الحساسية ويكاد أحياناً أن يلتصق فيه غبار النقد والتشكيك في كل كلمة، فلا بد من تجنّب ذلك والعود إلى كلمات لا يحتمل معناها التشكيك والمداهنة أو أي معنى آخر, ولذلك رجع العلماء في هذا العمل الدعوي المبارك إلى تعديل هذه المقولة قولهم: "الصفات الستة" بدلاً من قول "الأصول الستة", وأنا أخرج في سبيل الله تعالى منذ عشرين عاماً بفضل الله، ولم اسمع أحداً من عرب ولا عجم ذكر كلمةً "الأصول الستة" بل هي معروفة منذ زمن "بالصفات الستة",
    وأيضاً رغم ذلك لم يهدأ التقول على الصفات,
    من أين جاءت؟ وكيف دُعِيَ إليها؟ ومن جمعها وما إلى ذلك ؟؟
    والجواب على ذلك
    :أنه قد بيّنه فضيلة الشيخ إحتشام الحسن رفيق الشيخ محمد إلياس وأحد المؤسسين لهذا العمل في كتابه )العروة الوثقى(: إن فلاح الأمة ونجاحها واضح لا خفاء فيه جليّ لا غطاء عليه, لأن الإسلام بدأ غريباً ويعود غريباً, فالذي اختاره سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام لفلاح الأمة ولفلاح الإنسانية, ولا بد لنا أن نأخذ به لأن لنا أسوة حسنة في رسول الله, حيث قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}, فإن أسوتنا به طاعة الله تعالى: {ومن يطع الرسول فقد أطاع الله} ووسيلة إلى محبته جلّ وعلا: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}, وإلى ذلك أشار الإمام مالك رحمه الله حيث قال: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" إذن فإن طرق الفلاح والنجاح لهذه الأمة تتمثل في أول ما اعتنى به النبي وهو الدعوة إلى الله تعالى, وأَن يدينه الناس كافة لله تعالى, وأن يدينوا بالدين القيم ويقبلوا شرائعه، ويأتمروا بأمره وينتهوا بنهيه، فإنه هو الله تعالى الذي لا اله إلا هو له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هو مقتضى شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
    انّ هذا هو المقصد الأعظم الذي أُرسل به المرسلون {وما أرسلنا من
    رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}, وأول خطاب للأنبياء لأقوامهم:{أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} فلهذا لا بد من تحقيق لا إله إلا الله والعلم بها والعمل على إشاعتها … لذلك قولنا دائماً أنه لا معبود في هذا الوجود بحق إلا الله, ويقتضي فهمها إعتقاداً وتوحيداً للألوهية والربوبية والصفات.

    ومحمد رسول الله: أن تمام كلمة التوحيد هو الاتباع وإقامة أوامر الله على طريقٍ واحدٍ, لا تقبل طاعة ولا عبادة إلا به، ولا ترفع الأعمال إلا إذا كانت مطابقة لما جاء به النبي, وحتى يكون الهوى تبعاً لما جاء به، ولا يكون محبوباً عند الله تعالى ولا مقبولاً منه سبحانه إلا باتباع محمد وطاعته طاعةٌ لله وسببٌ لمغفرة الذنوب والخطايا.

    العبادة ليست فقط وضع الجبهة على الأرض، ولا ترك الطعام، وحزم الأمتعة والسفر سياحةً في البلاد، ولا إنفاق المال وبناء المدارس والمستشفيات، وعمل الجمعيات دون قصدٍ أو دون إخلاص أو دون انتظار للآخرة, بل كل هذه الأعمال هي طاعة لله تعالى, ورغبةٌ في مرضاته, مع قطع العلاقات عمّا سواه، وربط القلب معه جل وعلا حتى لا يبقى في القلب مكانٌ لغيره... أعتق رقبتك من عبودية الأشياء والخلائق، لأَنك لست عبداً لأحدٍ غيرَ الله تعالى ولست مشترىً إلا من الله {إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة}, فإن بعتَ واستقمتَ على طاعة سيدك وكُنتَ مطيعاً لرسوله الكريم فإنك بذلك ترتقي إلى صفوف الملائكة, وبذلك تسمو الإنسانية وترتقي، فأنت لم تخلق إلا لهذا {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. هذا هو المقصد وهذا هو أول معرج من معارج الكمال لا يمكن الدخول في الإسلام إلا به، وهو المقصد الوحيد الذي بُعثَ به سيد الأنبياء والمرسلين حيث أمره الله تعالى: {أُدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (سورة النحل).


    لقد أتم الله تعالى نعمته علينا, وأكمل لنا ديننا, وختم برسوله الأنبياء، وإنه جلّ وعلا لم يترك هذا الأمر سُدىً، بل فَوَّضَ حمل هذه الرسالة أتباع النبي إلى يوم الدين، ليكون الدين حجة بالغة على العالمين: {قل هذه سبيلي ادعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} (سورة يوسف)، وبَيَّن صفات الداعية جل وعلا فقال: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين}, فقام سلفنا رضوان الله عليهم بحمل هذه الرسالة، وتركوا لذلك أقدس بقاع الأرض، وهجروا الفراش والأزواج والأولاد والزينة والمال والزروع والثمار، وهاجروا مجاهدين في سبيل الله تعالى لإقامة أوامر الله في الخلق، وإشاعة دين الله في الأرض، فشاع الإسلام في الأرض واتسعت رقعته وأشرقت أنواره, وما زال الدعاة يعملون في كل أحوالهم، إن كانوا جنداً أو تجاراً أو صُنّاعاً أو علماء... فما تطؤ أقدامهم أرضاً إلا يتركون فيها آثار أخلاقهم وصفاتهم وعبادتهم وعقيدتهم... فيدخل الناس في دين الله أفواجاً.

    ثم أصاب هذه الأُمة الذهول والركون، وتركوا هذا الأمر العظيم إكتفاءً بما سلف, فعمّت الفوضى في الدين، وانتشر الفساد في الدنيا، وساد هم حب العيش والشهوات، وغلبت الغواية, واستفحل الضلال، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


    إنتبه أهل العلم وطلبته والدعاة المخلصون لذلك في هذا الزمن, وقد تجدد الفكر وبدأوا يشخصون أمراض الأمة ويحاولون إيجاد الدواء الشافي، فكتبوا وألفوا ونشروا العلم وداروا في المجامع والمواسم، وبدأ العَوْدُ الأحمد وبرز من بين ذلك هذا الفكر؛ "الدعوة والعودة إلى هذه السُّنَّة السَّنيَّة" واجتهد القائمون على هذا العمل, وأعلنوا أنّ هذه الدعوة ليست لخواص الناس ولا لطلبة العلم واللبة فقط في مجامع العلم والمعرفة؛ بل لا بد من أن ننشر هذا الفكر في كل مكان، ونعلن دعوة الحق في المجامع والنوادي والأسواق والمناسبات، وندور بها على الناس في بيوتهم وفي قراهم ومدنهم وبواديهم، وندعوهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله, ونسعى في فكاك رقابنا ورقابهم من العبودية للمخلوق، كدأب الأنبياء والمرسلين في دعوة المخلوق إلى الخالق جلّ جلاله.

    إنّ دعوتنا إلى الله لا يُستثنى منها أحد، فهي للمسلمين وغير المسلمين، ونخاطب كُلاً منهم بأن يتدبروا كلام الله، وينظروا حولهم في بديع صنع الله، ونخّص المسلمين بتحريك هِمَمهِمْ وإحياء الإيمان في صدورهم، وأن يتدبّروا مفهوم الكلمة الطيبة ومتطلباتها والإخلاص لها وتعميمها، وجعلها رأس الأمر في حياتنا، فجاءت هذه الصفة كأول صفة تمثّلت في حياة الأنبياء صلوات الله عليهم والصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان رضوان الله عليهم "لا إله إلا الله محمداً رسول الله" أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله, ولا طريق للفوز والنجاح إلا طريق رسول الله, وتكون حياتنا ومماتنا بمقتضاها عقيدة وشريعة؛ فالمسلم لا يصحّ إسلامه إلا إذا كان تبعاً لما جاء به النبي، فلا بدّ من التدبر والفهم والعلم والعمل والتبليغ، هكذا يتجدّد الإيمان "جددوا إيمانكم", قالوا: "كيف يا رسول الله؟ " قال: "أكثروا من قول لا إله إلا الله".

    فمن أراد الوصول إلى أعلى مراتب العلم، وأكرم منازل الفهم، وأعز مناصب الدنيا، وأرفع درجات الجنة، فليعلم أنه لا إله إلا الله, فمن علم أنه لا إله إلا الله وصل إلى أعلى المراتب من هذا الدين، فتحقق في حياته الإسلام بأركانه، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وتحققّ في حياته الإحسان وهو: أن يعبد الله تعالى كأنه يراه ويستكمله إلى البقية حيث يصبح عنده سيان الغيب الذي أخبر عنه الحق جل علا، والمشاهدة التي يسلكها كل لحظة من حياته... عند ذلك يكون الفلاح بهذا التذكير الذي أوصله إلى رضوان الله عز وجل فلا يسخط عليه أبداً, ويعيش في الجنة لا يبتئس أبداً، ويشب فلا يهرم أبداً، وفوق ذلك كله يعلم علم اليقين أنه أمر بهذا وسوف يرى وجه ربه لا يضامُ في رؤيته، وبين الحين والحين يأتيه رسالة من الباري جل وعلا: عبدي إشتقت إليك فزرني... ما أسعده وما أهنأه في هذا العلم العالي والغالي علم لا إله إلا الله !! فيستقرّ حالُهُ وتكون عبادته لله تعالى راحةٌ من هموم الدنيا، وذكره لله طمأنينة لقلبه، وصلاته معراج دينه وإسلامه، فتصبح مفتاحاً لأركان الإسلام الأخرى: الزكاة, والصيام, والحج... وتصبح عنده الصلاة عماد الدين حقاً فإقامتها أن يقيم الدين في نفسه وفي غيره، والعبادات تبعٌ للصلاة، حيث هي عمل يومي وتكليف جسدي في الليل والنهار، وأمّا الأعمال الأخرى عدا الشهادتان فهي أعمال موقوتة بالقدرة والزمن (أي الوقت).
    وهذا معلوم بالضرورة فالزكاة مرة كل سنة لمن
    ملك النصاب، والصيام شهر في السنة للقادر على الصيام، والحج مرة في العمر لمن استطاع إليه سبيلاً، أما الصلاة فهي معراجك كل يوم خمس مرات في الليل والنهار، والصحة والمرض، والصيف والشتاء، وعلى كل حال ما دمت عاقلاً,
    وهي تنهي المؤمن عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن.


    إعلم حفظك الله أن هذه العبادات إنما فُرِضَت لتحقيق الكمال الإنساني والإرتقاء الروحاني, وهي غذاء روحاني للإنسان, فيحصل بها كل حالات العبودية, ومدارج الإسلام, وحلاوة الإيمان.

    فإن كانت عبادتك بملاحظة عظمة الله وكبريائه بقلب خاشع, فهي مقربات عند الله ومطهرات من الرذائل والخبائث ومن الأدناس والأوزار... تُصلح أخلاق المرء وأعماله وتكون وسيلة للكمال البشري, وإن كانت بالغفلة والنسيان فهي مبعدات عن الله سبحانه وتعالى وملقيات في المهالك والضلالات, فكم من قائم ليس له من قيامه إلا التعب, وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.

    فإن كانت الصلاة بوصف أعلى, فهي معراج المؤمن وخطاب مع مالك الملك وهي تنهي عن الفحشاء والمنكر وإن كانت بالغفلة والنسيان {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون},فلا بد أن نجتهد ونترقى بصلاتنا وعبادتنا من أدناها إلى أعلاها,ولا نتكل على صورة أعمالنا,فمن اتكل على أعماله خاب وخسر.

    ولا بد لنا أن نحرّك المؤمنين الغافلين عن عبادة الله وطاعته، وأن نحثهم على الطاعات - فإن الدال على الخير كفاعله وأجره مثل أجره - ولأن تكون عبادتهم عبادة الخاشعين لا عبادة الغافلين.

    أسال الله التوفيق لنا ولكم والسداد والتوفيق لطاعة الله وحُسن عبادته، وأن نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    فما زال أمامنا كثير من الأعمال التي توصلنا إلى رضاء الله وطاعته، وكل ذلك أورثه لنا الرسول الكريم(صلى الله عليه وسلم) من سننه لا نستطيع تحصيله إلا بالعلم والتعلم والاستعداد والتضحية, لذلك فحُسن الاعتقاد لا يصح بإغلاق العقول - عن المنقول والمعقول - فالله تعالى أمرنا أن نتعلم وجعل طلب المزيد من العلم دعاءً ندعوه به سبحانه أن يشرح صدورنا له {وقل رب زدني علماً}, وبين لنا الرسول) صلى الله عليه وسلم (أنّ طلب العلم فريضة, وأنّه مرضاة لله, وأنّ لطالب العلم تضع الملائكة أجنحتها رضى بما يصنع.




    الموضوع منقول
    ملاحظة نأسف لوجود بعض الأخطاء الإملائية












  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    1,786
    شكراً جزيلاً لموضوعك يا مبلغ الدين... وبارك الله فيك

+ الرد على الموضوع

المواضيع المتشابهه

  1. أصول الدعوة و مرتكزات ووظيفة الداعية وأخلاقياته
    بواسطة أبو يوسف في المنتدى زاد الداعيــة في سبيل الدعوة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 02-23-2011, 05:33 PM
  2. فتاوى كبار العلماء والدعاة حول جماعة الدعوة والتبليغ
    بواسطة محمود في المنتدى فتاوي الدعوة والتبليغ والخروج في سبيل الله
    مشاركات: 81
    آخر مشاركة: 12-23-2010, 07:05 AM
  3. مسؤولية المرأة في الدعوة إلى الله
    بواسطة ام يوسف في المنتدى حواء وأخواتها
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 12-21-2010, 05:55 PM
  4. الدعوه على منهاج النبوه
    بواسطة ابو نسيبه في المنتدى الدعوة والتبليغ شبهات وردود
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11-20-2009, 11:19 PM
  5. الدعوه على منهاج النبوه
    بواسطة ابو نسيبه في المنتدى أحوال الدعوة
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11-20-2009, 11:15 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك

جميع حقوق التصميم محفوظه

لمنتديات نبع الفرات