يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً) [الفرقان:53].
منذ 1400 سنة لم يكن أحد على وجه الأرض يعلم شيئاً عن الحاجز بين النهر والبحر. وقد قام حديثا علماء بدراسة المنطقة حيث يصبّ النهر العذب في البحر المالح. وكانت النتيجة أن هذه المنطقة لها خصائص مختلفة كلياً عن الخصائص الموجودة في أيّ من ماء النهر أو ماء البحر.
حتى إننا نجد أحدث الأبحاث العلمية تؤكد أن منطقة المصبّ يحدث فيها مزج مضطرب، وسبحان الله العظيم يأتي البيان الإلهي ليعبر عن هذه الحقيقة العلمية الدقيقة بكلمة واحدة وهي (مَرَجَ)!
وهذا النوع من الحواجز تحدث عنه القرآن، يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً) [الفرقان:53].
لقد نشأ علم حديث اسمه ميكانيك السوائل يبحث في القوانين التي وضعها الله تعالى لتحكم أي سائل في الكون. ومن أهم السوائل بالنسبة لنا هو الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي فقال: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء:30]. ومن أهم القوانين التي تحكم هذا الماء قانون التوتر السطحي الذي بواسطته تحافظ كل قطرة ماء على شكلها و وجودها.
ولولا هذا القانون لتبخر الماء ولم يتماسك أبداً. وبواسطة هذا القانون الذي يشد جزئيات الماء إلى بعضها البعض تبقى البحار متماسكة أيضاً. لأن قوة التوتر السطحي هذه وهي القوة التي تشد جزيئات الماء تتغير مع كثافة الماء ودرجة حرارته ونسبة الملوحة فيه وغير ذلك من العوامل. فتجد أن النهر العذب له خصائص تختلف تماماً عن البحر المالح، وبالتالي هنالك اختلاف كبير بين قوة التوتر السطحي للماء العذب وتلك الخاصة بالماء المالح. هذه القوى تلتقي عند التقاء مصب النهر مع البحر. فتعمل كل قوة ضد الأخرى!
فتجد أن منطقة البرزخ أو منطقة الالتقاء للنهر مع البحر هي منطقة تدافع وتجاذب وحركة واضطراب وهذا ما عبَّر القرآن عنه بكلمة واحدة وهي (مَرَجَ). يقول عز وجل: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً) [الفرقان:53].
وتأمل معي كلمة (حِجْراً مَّحْجُوراً) في الآية كيف تعبر عن جدار منيع وقوي وهذا ما نجده فعلاً، فهذه القوى الناشئة بين النهر والبحر في منطقة البرزخ هي جدار لا يمكن اختراقه. ومن علم ميكانيك السوائل نعلم بأن أي جدار يتم بناؤه يقوم على أساس دراسة القوى التي ستقع على هذا الجدار.لذلك نجد أن التعبير القرآني عن الحاجز بين النهر والبحر بأنه (حِجْر) تعبير دقيق من الناحية العلمية.
كما أن هنالك فارقاً في قوى الضغط التي يسببها النهر على البحر والقوة المعاكسة التي يسببها البحر على النهر، وتكون النتيجة أن هنالك منطقة متوسطة هي البرزخ وعلى جانبيه ضغوط مختلفة يتحملها وكأنه جدار محصَّن وقوي. لذلك قال تعالى في آية أخرى: (أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [النمل:61].

إن الغوص في الماء ومعرفة أسرار البحار كان من رغبات الإنسان منذ وجوده على الأرض. ولكن الإنسان في الحالة الطبيعية لا يمكنه الغوص لأكثر من أمتار معدودة وذلك بسبب الضغط الكبير المتولد من وزن الماء فوقه.
وعندما اخترع الإنسان الغواصة تمكن من الوصول لأعماق كبيرة تقدر بمئات الأمتار أو آلاف الأمتار. وعندها تم اكتشاف عالم قائم بذاته في أعماق المحيطات، ولعل الشيء الملفت للانتباه هو اكتشاف أمواج عميقة أشدّ عنفاً من الأمواج التي على سطح البحر.
فكما نرى أمواجاً متلاطمة على سطح البحر، أيضاً هنالك أمواج في عمق البحر.هذه الأمواج تحدث عنها القرآن في قول الحق تبارك وتعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور:40]. ونلاحظ كيف تتحدث الآية بوضوح عن البحر العميق الذي تغشاه الأمواج ثم من فوقه أمواج أخرى.
وهنا ندرك دقة القرآن حتى في تشبيهاته، فالله تعالى يقول لنا بأن الكافر بربه والذي ضلَّ عن سبيل الهدى مثله كمثل رجل يعيش تحت هذه الأمواج العميقة، قمة الظلام والضيق، فالله تعالى يشبه الضلال بهذه الظلمات ويتحدث عن أمواج في عمق البحر (اللجي هو العميق). إن هذا النوع من المعرفة لا يمتلكه حتى أدباء عصرنا هذا، فكيف بالنبي الأمي الذي جاء في عصر عبادة الحجارة والأوثان، في ذلك العصر لم يكن هنالك إلا الأساطير. بينما القرآن نجده يحاكي كل العصور فهو كتاب الله عزّ وجلّ.
إن الذي ينظر إلى الكرة الأرضية من الفضاء الخارجي يشاهد البحار تغطيها السحب بشكل كبير. وهذا ما تظهره صور الأقمار الاصطناعية. هذه السحب الكثيفة تحجب جزءاً كبيراً من نور الشمس ويبقى جزء صغير ليخترق أمواج البحر السطحية وبعد ألف متر تقريباً ينعدم الضوء تماماً عند مستوى الأمواج العميقة. لذلك يقول تعالى: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)، فالأمواج تساهم في حجب قسم كبير من الأشعة الضوئية أيضاً. فيكون لدينا ظلام في قاع البحر، ومن فوقه طبقة من الأمواج الداخلية التي تضيف طبقة ثانية من الظلام، ثم يأتي الماء الموجود فوق هذه الأمواج والذي يضيف طبقة ثالثة من الظلام، ثم تأتي الأمواج على سطح البحر والتي تضيف طبقة رابعة من الظلام ثم تأتي طبقة الغلاف الجوي فوق سطح البحر لتشكل طبقة خامسة من الظلام ثم السحاب والغيوم الركامية التي تشكل طبقة سادسة وهكذا (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)، فهل يمكن لإنسان يعيش تحت هذه الظلمات أن يرى يده؟ كذلك الذي ضل عن سبيل الله ونسي لقاءه أنَّى له أن يرى نور الإيمان!

إذا كان الإنسان قبل مجيء القرن العشرين لا يستطيع الغوص في الماء إلا لعدد من الأمتار، كيف علم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلّم بهذه الأمواج في أعماق البحار؟ هل درس رسول الله عليه الصلاة والسلام قوانين انكسار الضوء، وكيف يفقد الضوء جزءاً من طاقته عندما يخترق الماء أو الأمواج؟
إن الضوء الذي يخترق ماء البحر على عمق مائة متر لا يبقى منه إلا أقل من واحد بالمئة على مثل هذا العمق، فكيف على أعماق آلاف الأمتار؟
إن الأمواج العمقية في البحر لم يتم كشفها إلا منذ أقل من مائة سنة، ولم يتم دراستها وتصويرها إلا منذ سنوات قليلة فقط.
إن الإنسان لا يمكنه الغوص إلى هذه الأعماق إلا باستخدام غواصة ذات جدران شديدة الصلابة والتحمل لتتحمل الضغط الكبير جداً الذي تسببه طبقة الماء فوقها.
إذن الحياة مستحيلة تحت هذه الأعماق، فكيف تحدث القرآن عن إنسان يعيش على هذا العمق الكبير من الماء؟
إنها معجزة جديدة، فالقرآن يتحدث عن زمن سيخترع الإنسان فيه الغواصة وسينْزل إلى أعماق البحر وسوف يتحقق قول الحق تعالى: (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا)، وهذا ما يحدث فعلاً مع الغواصين في غواصاتهم حيث تنعدم الرؤيا بشكل شبه كامل عند عمق البحر
إذن في هذه الآية الكريمة عدة إعجازات: الحديث عن الظلمات في أعماق البحار. الحديث عن الأمواج العمقية في البحر. والحديث عن تحقق هذه الآية في المستقبل وقد تحققت فعلاً باختراع الغواصات.
نعيد كتابة النص القرآني ونترك للقارئ التفكر والتأمل في عظمة آيات الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور: 39-40].
ومن الكشوفات المهمة في علم البحار أن هنالك مسافة تفصل بين أي بحرين، فلا يطغى هذا على ذاك أو العكس.
عندما يلتقي البحران عند مضيق ما يحافظ كل بحرٍ على خصائصه. فعلى سبيل المثال يلتقي البحر الأحمر مع المحيط الهندي في منطقة تسمى مضيق باب المندب.هذه المنطقة نجد لها خصائص متوسطة بين البحرين.
فالبحر الأحمر له كثافة ودرجة حرارة ولزوجة تختلف عن المحيط الهندي، والأسماك التي تعيش هنا غير التي تعيش هناك. هذه المنطقة الفاصلة تسمى بالحاجز أو البرزخ.
هذا البرزخ يشبه الجدار المتين الذي يفصل بين البحرين، وهو يسمح لماء هذا البحر بالمرور عبره لذلك البحر ولكن بعد أن يغير خصائصه بما يتناسب مع البحر الثاني. وبالتالي رغم اختلاط البحرين وامتزاجهما يبقى كل منهما مستقلاً عن الآخر في مواصفاته.
هذا البرزخ الذي لم تتم رؤيته إلا بواسطة الأقمار الاصطناعية في نهاية القرن العشرين تحدث عنه القرآن قبل أربعة عشر قرناً. لنستمع إلى قول الله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ) [الرحمن:19-20].
إن هذا البرزخ يوجد أيضاً بين البحر المالح والنهر العذب عند التقائهما. فنجد أن الأنهار العذبة تصب في البحار المالحة، ورغم ضخامة البحر المالح لا يطغى على النهر العذب ولا يختلط به أبداً.
ويمكن رؤية المنطقة التي تفصل بين الماء العذب والماء المالح بالأقمار الاصطناعية وهي تمتد عادة لعدة كيلومترات.
القشرة الأرضية ليست متصلة تماماً بل تتركب من مجموعة من الألواح. هذا ما كشفت عنه الأبحاث الجيولوجية حديثاً.
حركة الألواح هذه تؤدي إلى تصادمات مستمرة فيما بينها ينتج عنها تصدع للقشور الأرضية. وهذا ما تحدث عنه القرآن بقوله تعالى: (والأرض ذات لصدع) [الطارق:12].

هذه التصدعات تكثر في قاع البحار والمحيطات وينتج عنها انطلاق كميات من الحمم المنصهرة من باطن الأرض على شكل براكين. فالنيران تشتعل في قاع البحر بشكل دائم وعلى الرغم من حجم الماء الكبير فوقها لا يستطيع إخمادها.
لقد تحدث القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرناً عن هذه الحقيقة العلمية بقوله تعالى: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) [الطور:6]. وكلمة (سَجَرَ) في اللغة تعني أشعل وأحرق، و لم يكن أحد على وجه الأرض يتخيل هذا الأمر.
ولكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم الذي لا ينطق عن الهوى إنما بلغنا القرآن كما أنزله عليه ربه دون زيادة ولا نقصان، لم يستغرب هذه الحقيقة بل هو مؤمن بكل ما أوحي إليه.
فقد بلغنا قول الله تعالى (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) وكلمة (الْمَسْجُورِ) تفيد الاستمرار. فالبحر لا يزال منذ ملايين السنين يشتعل قاعه بنار تصل حرارتها لآلاف الدرجات المئوية وعلى الرغم من ذلك لا يتبخر الماء ولا تنطفئ النيران!